أزمة ديون الولاية تهدّد بإفلاسها وبتدحرج كرة الثلج والانهيار


نيويورك ــ نزار عبود
بين الولايات المتحدة والقارة العجوز، محيط أطلسي وسحابة بركانية لا تعرف نهاية قريبة. سحابة تعوق الملاحة الجوية وتحجب الرؤية السياسية والمالية بين كتلتين تجمعهما المصائر والأهداف، لكن مصالحهما لا تتطابق تماماً. بينهما أيضاً سحابة أخرى قانونية مالية رغم ترابط التجارة في التوازن بين دولار ضعيف ويورو خائر. وفوق كل ذلك، خلاف، بل صراع، على قوانين تنظيم الصناعة المالية حيث السباق بين الطرفين على الخروج بتشريعات قبل الآخر على أشدّه. صراع على القوانين الخاصة بصناديق التحوّط التي يشار إليها بالإبهام على أنها مسؤولة عن كل المصائب التي جرت وستجري في المستقبل.
لكن المصالح تتقاطع ثانيةً بمجرد عبور القارة الأوروبية والوصول إلى الشرق الأوسط. القوات تحارب معاً في أفغانستان، حيث النزفان البشري والمادي لا يميزان بين الأوروبي والأميركي، رغم التمييز في المراكز القيادية والقرارات المصيرية. الأميركيون يتولون القيادة العسكرية، فيما يعالج الأوروبيون قضايا التنمية والانتخابات والمؤسسات والدبلوماسية ومعارك كسب العقول والقلوب. والقاسم المشترك في كل هذه المصائب والأزمات البعد المادي الصعب، سواء أكان سياسياً أم عسكرياً أو بيئياً. وإذا كان الإنتاج والتسويق مستعصياً في ظروف الأزمات المالية المتفشية، فإن الاقتراض من الحاضر وترحيل الاستحقاقات للمستقبل لم يعد ميسوراً في أسواق مالية غير ميسورة.

عجز ميزانية كاليفورنيا لا يمثّل سوى قطرة من نفقات الحرب في العراق وأفغانستان
الحكاية الملحّة والمؤجلة في كل هذا تبدأ من كاليفورنيا، الولاية التي تهدد القطب الدولي الأكبر في عرش الإمبراطورية الأميركية بالسقوط. منها قد يبدأ الانحدار نحو الانهيار. في كاليفورنيا مطلوب تقليص الإنفاق على القطاع التعليمي، الذي يلتهم 50 في المئة من ميزانية الولاية التي تعيش حالة طوارئ مالية، ومن رواتب المتقاعدين. سنداتها باتت في مستوى الخردة، بل أدنى، رغم أن الإعلام لا يتحدث عن ثامن أكبر اقتصاد عالمي بقدر حديثه عن ساسة أثينا «الفاسدين».
أحد أفظع مظاهر الانهيار أن التأمين على سندات قروض الولاية من خطر الهلاك بات يكلف سنوياً 250 ألف دولار عن كل 10 ملايين دولار. وفي العادة لا يكلف تأمين كهذا سوى 25 ألفاً. إنه وضع أسوأ بكثير من السندات اليونانية التي حظيت بحماية أوروبية عامة تقلصت معها كلفة التأمين.
تسعى الولاية وراء إمرار إصلاحات جذرية عبر زيادة الضرائب وتقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية، لكن لا يمكن إمرارها إلا عبر تعديل قوانين الضرائب. فهل يكون الحل بإعلان الإفلاس والتخلص من المستحقات والقروض؟ القوانين لا تسمح بإعلان إفلاس أي ولاية، حتى لو أرادت التقدم بطلب إفلاس مضطرة تحت ضغط ديونها، علماً بأن دولاً كانت قد أفلست في السابق مثل الأرجنتين. ولجأت الولايات المتحدة نفسها إلى إنقاذ المكسيك والبرازيل في مناسبتين منفصلتين في أوائل التسعينيات ونهايتها.
كذلك فإن هموم الحكومة الاتحادية المركزية متشعبة ومتكاثرة إلى حد لا يسمح لها بمساعدة كاليفورنيا، رغم أن عجز ميزانية الولاية لا يمثل سوى قطرة من نفقات الحرب في العراق وأفغانستان وخارجهما. إنه يزيد قليلاً على 19 مليار دولار لسنة بكاملها، بينما بلغت نفقات الجيش الأميركي في أفغانستان 6.7 مليارات دولار في شباط الماضي، ووصلت نفقاته في العراق الى نحو 5.5 مليارات دولار. وأنفقت الولايات بالحربين معاً نحو تريليون دولار من أصل 12.9 تريليون إجمالي الدين العام.
وفي مقابل تخلي الولايات المتحدة عن تلبية شروط العيش الكريم للمواطنين، مثل أبناء كاليفورنيا الذين يرزحون حالياً تحت ظروف معيشية قاسية، من المنتظر أن ترتفع نفقات الحرب في أفغانستان إلى 105 مليارات خلال العام الحالي وحده مع تعهد ببقاء القوات لفترة طويلة وزيادة عددها ودورها في بلاد وعرة شاسعة تُنقل أصغر الأشياء فيها بالطائرات.
أزمة الولاية تهدد عرش الإمبراطورية الأميركية بالسقوط وقد يبدأ الانحدار نحو الانهيار
ما تنفقه الولايات المتحدة في شهر بمفرده في أفغانستان هو أقصى ما تطمح ولاية كاليفورنيا إلى تلقيه من الحكومة الاتحادية في عام واحد. حساباتها المتفائلة تتحدث عن أمل بالحصول على 6.9 مليارات دولار. وإذا لم تأت هذه المبالغ بسبب الحرب أو البيئة أو لأسباب ضريبية أخرى قاهرة، فسيتعين على كاليفورنيا شدّ الأحزمة أكثر فأكثر، في وقت بدأت فيه الأصوات العنصرية تتعالى فيها ضدّ العمالة الوافدة من المكسيك وأميركا اللاتينية خصوصاً. أصوات يُخشى أن تترجم في الشوارع بأشكال أخرى وسط تصاعد النعرات بين المهاجرين القدامى، الذين يمثّلون الجانب الأكبر من الشعب الأميركي، والمهاجرين الجدد نسبياً، وأعدادهم تحصى بعشرات الملايين.
الحكومة الاتحادية لم تتعهد حتى الآن تقديم أكثر من 3 مليارات دولار من قروض لميزانية الولاية. وليس أمام كاليفورنيا سوى المزيد من التقشف والتخلي عمّا كانت تعدّه حتى وقت قريب من الضروريات، بما في ذلك المدارس والمستوصفات، لأن أبواب القروض شبه موصدة، أو أنها باهظة الكلفة إلى حدّ فرض الحظر التلقائي عنها.


يرفض حاكم كاليفورنيا، آرنولد شوارزينغر (الصورة)، توقيع ميزانية الولاية قبل إدخال إصلاحات جذرية على الإنفاق. تتضمن زيادة الضرائب وتقليص الأجور وبدلات التقاعد والخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية والمخصصات التعليمية. وتأتي بدلات التقاعد على رأس الأمور المثيرة للجدل، إذ إن هناك أعداداً كبيرة من المتقاعدين يتلقى كل فرد منهم أكثر من مئة ألف دولار سنوياً. وهذا ما لا يمكن الاستمرار فيه في ظل الظروف الاقتصادية العسيرة.