مخاوف من صفعة انتخابيّة تهزّ الائتلاف الحاكم وتمهّد لعودة الليبرالييّن


بسّام الطيارة
فيما كانت أوروبا تعيش أزمة يورو خانقة وتلهث وراء محاولات إنقاذ اقتصادات منهارة، غاصت اليابان في «الأسبوع الذهبي» وهي عطلة عيد «الانتقال إلى موسم الصيف» في التقاليد البوذية والشينتو المتمازجة منذ عصور. العطلة تنطلق منذ عام ١٠٦٣ مع ظهور أزهار السوسن البرية لتبدأ بتنظيف المعبد ورقصات الـ«بوغاكو»، يرافقها إيقاع الطبول والقيثارات. وحسب اعتقاد اليابانيين، فإن السوسن يطرد «الشر وينظف الإنسان من موبئاته» وهو ما يسمح له بـ«تجديد عقد الخير» في نفسه والانطلاق في موسم جديد.
وقد «خدمت» العطلة الاقتصاد الياباني، إذ إن الإقفال الذي امتد لثلاثة أيام منع مؤشر «نيكي» من اللحاق نزولاً بالمؤشرات العالمية، وجعله «يفتح على ارتفاع» من دون أن يلغي ذلك وجود وهن في الاقتصاد الياباني.
ويدل على ذلك إعلان البنك المركزي الياباني، مباشرةً مع فتح الأسواق، ضخ ٢٠٠٠ مليار ين (نحو ٢٠ مليار دولار) في النظام المصرفي الياباني لليوم الثاني على التوالي لطمأنة الأسواق القلقة، أمام المشاكل المالية في منطقة اليورو. وقد عرضت هذه السيولة على المصارف بشكل قروض، في مقابل الحصول على ضمانات مختلفة بهدف تسهيل شروط الوصول الى القروض.
وباعتراف عدد متزايد من المراقبين، فإن «هشاشة اليابان المالية تتزايد بصورة كبيرة» وتهدد بتدهور للوضع المالي في ظل تزايد الدين العام.
لكن نائب مدير «صندوق النقد الدولي»، ناويوكي شينوهارا، شدد على أنه «رغم ذلك لا يجب التعامل مع مشكلة اليابان بطريقة التعامل نفسها مع أزمة ديون اليونان». ودعا إلى تكثيف الجهود الرامية لضبط أوضاع الخزانة العامة اليابانية. إذ إن معدل الدين العام المتوقع لليابان خلال عام ٢٠١٠ يصل إلى ٢٠٠ بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، وهو ما يتجاوز بشدة أعلى المعدلات في الدول الصناعية الأخرى. ولكن ما يخفف من مخاطر تمدد الهشاشة إلى الأسواق العالمية، أنه يتم تمويل العجز المالي لليابان من خلال «السحب من كميات الادخار الموجودة في السوق المحلية» التي تعدّ من أعلى معدلات الادخار في العالم. ويحذر المراقبون من «تسارع تدهور الموقف المالي». كما يتساءل محللون عما إذا كان سيأتي الوقت الذي لا تستطيع فيه الحكومة تمويل ديونها من الداخل، وسيكون ذلك كارثياً على الين ويشجع على هروب الرساميل اليابانية من السندات الحكومية إلى السندات الأجنبية.
وتشير الدراسات إلى عدم وجود مؤشرات إيجابية؛ إذ بناءً على تقديرات الناتج المحلي الإجمالي في٢٠١٠ الذي يقدر بـ٤٧٥ تريليون ين (5.1 تريليون دولار)، فإن الدين العام للحكومة اليابانية سيصل إلى٩٥٠ تريليون ين. يترافق ذلك مع وجود انكماش في القروض، وارتفاع في المديونية الحكومية، وضعف في الطلب المحلي. وهي أسباب تقلق الحكومة في اليابان، التي ورثت تركة الدين العام من الحكومات اليابانية المتعاقبة في تسعينيات القرن الماضي، عندما ضاعفت من الإنفاق لانتشال الاقتصاد من أزمة المصارف وانهيار سوق الأبنية.
رغم ذلك، فإن المراقبين يرون أن الاقتصاد الياباني كان في طريق التعافي قبل أزمة اليورو، وإن كان بصورة بطيئة وهو ما يعكسه ارتفاع طفيف في أسعار السلع الاستهلاكية. وقد يؤول هذا إلى زيادة في الناتج القومي بين 1.3 و 1.8 في المئة لهذه السنة، بينما التوقعات للعام المالي المقبل هي بحدود ٢ في المئة. وهي إشارات قد تكون إيجابية، وخصوصاً أن اليابان، التي تحتل المرتبة الثانية عالمياً من حيث القوة المالية، لا تعاني أي «مصاعب هيكلية». فقد تخلصت مصارفها على مدى السنوات العشر الماضية من ديونها «الوسخة»، وقامت الشركات الكبرى بخطوات نوعية نقلت عبرها التصنيع إلى المناطق التي وجدت فيها أيدي عاملة رخيصة، وجددت قواعد عملها لتتناسب والثورة الرقمية الحديثة.
وفي المقابل، فإن التغيرات الاجتماعية قد «استوعبها» المواطن الياباني وبات يدرك بأنه معرّض لأن يكون عاطلاً من العمل، وأن عليه «شد الحزام» والتأقلم مع الوضع الاقتصادي بعد إعلان نهاية الفورة المالية.
وفي الواقع، فإن «الآمال» التي بثها وصول الحزب الديموقراطي الياباني إلى الحكم متحالفاً مع الحزب الاشتراكي بدأت تتبعثر مع تعثر الوضع الاقتصادي، الأمر الذي لم يسعف الحكومة الجديدة في إطلاق الاستهلاك لدفع النمو. ويعمّ الإحباط المواطنين اليابانيين في ظل تراجع فرص العمل وتهالك قوتهم الشرائية، بينما لا تزال فوائد التوفير شبه معدومة (0.1 في المئة)، فيما مطالب الحكومة المكررة للمصارف بدعم الاستهلاك عبر تسهيل القروض لم تكن تلاقي آذاناً صاغية قبل أسابيع.


مخاوف من نتائج كارثية في حال عجز الحكومة عن تمويل ديونها داخلياً
وما يزيد من علامات الاستفهام في أفق الوضع العام الياباني هو تراجع شعبية رئيس الوزراء الياباني يوكيو هاتوياما، على نحو مستمر منذ وصوله إلى الحكم، يضاف إلى ذلك التوقيت الذي اختاره للإعلان عن تراجعه عن تنفيذ أحد أهم وعوده الانتخابية وهي السعي إلى نقل قاعدة أميركية من «فتونما» إلى خارج أرخبيل أوكيناوا (جنوب الجزر اليابانية).
ولم يتردد رئيس الوزراء الياباني من تقديم اعتذاره إلى أهالي الجزيرة في أول زيارة له إلى أوكيناوا، على الرغم من أن اليابانيين يرون في وجود القواعد الأميركية إشارة إلى الاحتلال وتذكيراً بالحرب. وقد اعترف هاتوياما بأنه لن يستطيع الوفاء بوعده رغم «الثمن الانتخابي»، الذي يمكن أن يدفعه نتيجة لذلك، إذ إن اليابان مقبلة على انتخابات مجلس الشيوخ بعد أقل من شهرين.
ولا يملك رئيس الوزراء وحزبه وحلفاؤه وقتاً لانتظار نتائج النمو البطيء، والمواطن رغم تفهمه لكل هذه العوامل، وفي غياب «تنفيذ الوعود الانتخابية»، فهو قد يطلب التغيير عندما يضع صوته في صندوق الاقتراع فيعيد الحزب الديموقراطي الليبرالي اليميني إلى مجلس الشيوخ كأول إنذار لهاتوياما.