موسكو ــ حبيب فوعاني

خاص بالموقع - أظهر الرئيس الروسي ديميتري مدفيديف «مزاياه القيادية» مرة أخرى، وأصدر مرسوماً رئاسياً بإعفاء يوري لوجكوف، أحد أكثر السياسيين الروس نفوذاً، من منصبه محافظاً لمدينة موسكو «لفقدانه ثقة الرئيس».
ويجري ذلك للمرة الثانية في تاريخ روسيا المعاصر، بعد رفض رئيس الوزراء الأسبق يفغيني بريماكوف تقديم استقالته إلى الرئيس الراحل بوريس يلتسين، ما اضطر الأخير إلى إقالته.
وفي ضوء نية الكرملين ضخ دماء جديدة في النخب السياسية الإقليمية، كان يُقترَح على رؤساء الأقاليم الفدرالية المعمَّرين، الذين جاؤوا مع يلتسين في أوائل التسعينيات من القرن الماضي مثل لوجكوف، التنحي عن مناصبهم بالحسنى. وهذا ما حصل مع رئيس جمهورية تترستان منتيمير شايمييف ورئيس جمهورية بشكيريا مرتضى رحيموف. فاستحدث الكرملين للأول في تترستان منصب مستشار دولة، احتله بعد انتهاء ولايته الرئاسية في 23 آذار الماضي، ما سمح له بالحفاظ على بعض مواقع نفوذه في الجمهورية وهيّأ له خروجاً مشرفاً من السلطة. أما الثاني، فقد ماطل في تقديم استقالته قبل شهرين ونيّف، فاستخدم الكرملين ضده التلفزيون، الوسيلة الفعالة لتصفية الحسابات السياسية والمالية التي ازدهرت في عقد التسعينيات من القرن الماضي، إبان استيلاء أثرياء روسيا الجدد على وسائل الإعلام الروسية. ونشرت الشاشات أفلاماً وثائقية فاضحة اتهمت رحيموف بالفساد والمحسوبية خلال 17 عاماً من الحكم، ما دفعه إلى تقديم استقالته في تموز الماضي مقابل وعد بالحفاظ على «بيزنس» أقربائه.
وقد حاول الكرملين الأمر نفسه مع لوجكوف، فشنت وسائل الإعلام الروسية الحكومية حملة متواصلة لنحو شهر على رجل موسكو القوي. وكالت قناة «إن تي في» التي تملكها شركة الغاز الروسية الحكومية «غاز بروم»، الاتهامات من الفساد إلى الاختناقات المرورية في العاصمة الروسية وإنفاق ثمانية ملايين دولار لإنقاذ مزرعة نحل يملكها خلال الحرائق الأخيرة.
وعلى خطى «إن تي في»، اتهمت القناة التلفزيونية الحكومية الأولى لوجكوف بالتقاعس والتمتع بإجازته في النمسا عندما كانت موسكو تختنق بدخان الحرائق، وكذلك بمحاباة زوجته، سيدة الأعمال الثرية يلينا باتورينا، التي قدّرت مجلة فوربس الأميركية ثروتها بنحو ثلاثة مليارات دولار.
وأدت القناة التلفزيونية الروسية الحكومية الثانية قسطها في هذه الحملة، ما عدّه المراقبون دعوة واضحة من الرئيس الروسي، الذي يمتلك وحده الحق القانوني لإقالة المحافظ، إلى ترك منصبه بسلام قبل انتهاء فترته في نهاية 2011.
لكن المحافظ العنيد أعلن مراراً رفضه تقديم استقالته، وعدم تخليه عن منصبه طوعاً. وفضلاً عن ذلك، نشر مقالاً في جريدة «روسيسكايا غازيتا» دافع فيه عن مشروع شق طريق سريع إلى سان بيترسبورغ عبر محمية طبيعية في ضواحي موسكو، مؤيداً في ذلك رئيس الوزراء فلاديمير بوتين ومنتقداً مدفيديف، الذي أوقف مؤقتاً تنفيذ المشروع، ما جعل مصدراً في الكرملين يتهم محافظ موسكو بمحاولة دق إسفين بين بوتين ومدفيديف.
وبالفعل، فإن لوجكوف كان يؤمن حتى اللحظة الأخيرة بأنّ بوتين لن يتخلى بسهولة عن سياسي من الوزن الثقيل مثله.
لكن الرهان كان على العاصمة الروسية والسيطرة المباشرة على مواقع النفوذ فيها قبيل رئاسيات 2012، التي سيحاول بوتين من خلالها العودة إلى الكرملين. والصراع الدائر على موسكو مصيري، فهي غنيمة اقتصادية منشودة لأيّ مرشح رئاسي.
لذا، يبدو أنّ بوتين نأى بنفسه عن التدخل في «الكباش» المحتدم بين المحافظ المخضرم والرئيس الشاب، مفضلاً التضحية بالأول حفاظاً على الثنائي الحاكم من التصدع.