تشهد أروقة الأمم المتحدة حراكاً دبلوماسياً طغت الأوضاع السودانية على جزء منه، وسط تبادل للرسائل والمطالب بين الإدارتين الأميركية والسودانية


جمانة فرحات
على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحول السودان باستحقاقاته المقبلة إلى محور اجتماعات مكثفة، ستتوّج اليوم بانعقاد قمة دوليّة تناقش أوضاعه برئاسة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، وحضور عدد من رؤساء القارة الأفريقية، بينهم رواندا وإثيوبيا وكينيا وأوغندا ووزراء خارجية عدد من الدول الغربية المعنية بالملف السوداني إلى جانب نائبي الرئيس السوداني سيلفا كير ميارديت وعلي عثمان طه.
واستبق أوباما انعقاد القمّة بالتأكيد أنها ستكون فرصة لتوجيه رسالة «قوية» بضرورة التزام شريكي الحكم في السودان بإجراء الاستفتاء على مصير الجنوب في موعده المقرر في التاسع من كانون الثاني المقبل لتفادي الأسوأ.
أسوأ لن تكون عودة الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب سوى صورته الأكثر تجسيداً، فيما عواقب تدهور الأمور في قارة مليئة المشاكل ستتتجاوز «السودان بكثير» – وفقاً لتأكيدات عدد من الدبلوماسيين الغربيين.
وتلاقي مصالح الأطراف الدولية والاقليمية على مرور استحقاق الاستفتاء بسلام، يدفع حالياً باتجاه اتباع نهج أكثر دبلوماسية مع الشمال، وهو ما ترجم برسائل متبادلة بين الولايات المتحدة، المعني الأكبر بالملف السوداني، وحكومة الخرطوم.
فمن جهة، عبّرت واشنطن بوضوح عن مطالبها بضرورة عدم عرقلة الاستفتاء وتسريع إنهاء الاستعدادات لتنظيم عملية التصويت إلى جانب الاعتراف بنتائجه مهما كانت، والتوصل إلى تفاهمات على تقاسم الثروة والحدود مقابل حوافز أبدت واشنطن استعدادها لتقديمها، في مقدمتها رفع تدريجي للعقوبات المفروضة على السودان منذ التسعينيات إلى جانب رفع الحظر عن الصادرات الاميركية، ورفع التمثيل الدبلوماسي في بلد اختارته الإدارة الأميركية ليكون مقراً لإحدى أضخم سفاراتها في القارة الأفريقية.
في المقابل، كان علي عثمان طه واضحاً في رسائله إلى الادارة الأميركية. واستبق اللقاء الذي جمعه بوزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، بتمرير مطالب الخرطوم، وفي مقدمتها التوقف عن إضعاف حكومة عمر البشير «الرجل الأوحد الذي يملك قرار الحرب والسلام وأول من اعترف بحق تقرير مصير الجنوب».
مطلب ترجم أيضاً برسالة وجهها السودان للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن مفادها أنه لا داعي لزيارة السودان في حال رفضهم لقاء الرئيس السوداني الصادرة بحقه مذكرتي توقيف من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية الحرب في إقليم دارفور، المهددة أوضاعه بالتدهور بدورها في حال تعثر الاستفتاء.
وإن كان تعزيز شرعية البشير دولياً أساسياً في لائحة المطالب السودانية، فإن للمصالح الاقتصادية، غير الواردة في قائمة الحوافز الأميركية، نصيبها وفي مقدمتها إلغاء ديون السودان المقدرة بـ35 مليار دولار.
بدوره، دخل الرئيس السوداني على خط تمرير الرسائل مطلقاً سلسلة مواقف تعزز موقف وفده في نيويورك عبر تأكيده أن «لا عودة للحرب» وأن الحكومة تعمل على إجراء الاستفتاء، في وقتٍ اشترطت فيه قيادات حزب المؤتمر الوطني الحاكم أن يجري في أجواء حرة ونزيهة للاعتراف بنتائجه.
شروط تدرك حكومة الجنوب، التي تديرها الحركة الشعبية لتحرير السودان، أنها لن تستطيع غض الطرف عنها، ولا سيما أنها تترافق مع ضغوط دولية لضمان التزام الشريك الجنوبي بحصول الاستفتاء في أجواء سلمية، وسط مخاوف دبلوماسية غربية من أن «جنوب السودان لا يزال أقل ديموقراطية، وأقل تأهيلاً أيضاً ليصبح دولة».
وتأسيساً على ذلك، تولى سيلفا كير، الذي عقدد سلسلة لقاءات مع مسوؤلين في الادارة الأميركية آخرها جمعه برئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، تبديد المخاوف الدولية من تدهور الأوضاع في جنوب البلاد. وتعهد بأن الشماليين سيكونون موضع ترحيب إذا حصلت منطقته على الاستقلال في الاستفتاء المرتقب، مقللاً من أهمية التحذيرات من أن الاقليات قد تواجه الطرد والمضايقات.
كذلك اختارت حكومته في الجنوب أن تبدأ محادثات للتوصل إلى حل سلمي للتمرد الذي يقوده ثلاثة من الجنرالات المنشقين عن جيش الجنوب من الذين لجأوا إلى السلاح بعد الانتخابات في نيسان الماضي بعد اتهامهم الحكومة بالفساد والتزوير، في محاولة من حكومة الجنوب لتأكيد سعيها لتعزيز الاستقرار في المنطقة تزامناً مع اقتراب موعد الاستفتاء.