أرنست خوري

لو أراد المرء تصنيف المعضلات الانتمائية التركية الداخلية التي على رجب طيب أردوغان وحكومته الحزبية حلّها قريباً، يأتي الترتيب على النحو الآتي: القضية الكردية في الصدارة، تليها المسألة العلوية من حيث الصعوبة، وبعدهما وضعية غير المسلمين في تركيا، وتحديداً المسيحيين الأرثوذكس.
صحيح أنّ ترجمة عدم الرضى العلوي (يتراوح عديدهم بين 12 و20 مليون بحسب أرقام الحكومة ومنظماتهم الدينية) لا يخرج غالباً إلى العلن على نحو عنفي (باستثناء ما ارتُكب من مجازر بحقهم في أعوام 1978 و1980 و1993) كما هي حال الأكراد، لكون قضيتهم مذهبية لا قومية إثنية، إلا أنّ مناسبات عديدة تظهر أنّ العلويين مستعدون لمعارضة جميع أشكال الحياة السياسية التركية التي لا تعترف علمانيتها إلا بالمذهب المسلم السني الحنفي مذهباً شرعياً. وجاء استفتاء 12 أيلول ليدق جرس إنذار جديد بالنسبة إلى أردوغان، بعدما صوّت العلويون ككتلة متماسكة وحديدية ضد الإصلاحات الدستورية، لا لأنهم معارضون لتحديث الديموقراطية التركية، ولا لأنهم من أنصار المعارضة الجمهورية أو اليمينية، بل لأن المواد الـ25 التي عُدِّلت لا تمس حقوقهم الدينية، لا من قريب ولا من بعيد.
وأظهرت نتائج الاستفتاء أنّ العلويين التزموا ما سبق أن أعلنته منظماتهم في منتصف آب الماضي، عندما عقد ممثلون عنهم مؤتمراً صحافياً ضخماً، تعهّدوا بالتصويت في خلاله ضد التعديل، لأنّ «حزب العدالة والتنمية يدّعي أنّ رزمة الإصلاحات هي انقلاب على دستور 1980، لكن هذه كذبة». في حينها، أوضح رئيس المنظمات العلوية علي بلقيز المعادلة: ما لم تتضمن التعديلات بنوداً تعترف بدور العبادة العلوية وبهذا المذهب، فسنصوت بـ«لا». وهكذا حصل، بدليل أنّ محافظة تونسلي ذات الغالبية العلوية في الداخل الأناضولي، صوّتت بـ81 في المئة ضدّ التعديلات.
وبعد ثماني سنوات على تسلّم «العدالة والتنمية» الحكم، لا تزال المديرية العامة للشؤون الدينية ترفض تخصيص المساعدات المالية للنشاطات العلوية، ولا رواتب لرجال دين هذا المذهب.
وبدا أحد نواب «العدالة والتنمية» عن إسطنبول، رحى شمور أوغلو، المعروف بأنه أحد مهندسي مساعي الحكومة لحل الأزمة العلوية، شديد التشاؤم عندما أعرب عن يأسه من جهود حكومته. ووصل به الأمر إلى اعتبار أنّ الانفتاح الحكومي إزاء الأكراد كان أكبر من ذلك الذي قُدم للعلويين. وتخطّى شمور أوغلو حدث الاستفتاء ليتساءل: كم موظفاً حكومياً علوياً رفيع المستوى نعرف في الإدارة التركية؟ هل هناك وزير علوي واحد في الحكومة؟ وجزم بأنّ التمييز اللاحق بحق العلويين يجعلهم أكثر تشكّكاً تجاه المبادرة العلوية، وهي المبادرة التي عُبّر عنها من خلال 7 ورش عمل دامت طوال ستة أشهر، وشارك فيها 400 عالم دين وأكاديمي وسياسي وصحافي وممثل عن منظمات المجتمع المدني، لكنها انتهت إلى «فرض وجهة النظر السُّنية»، على حد تعبير علي بلقيز.
ويعرب النائب شمور أوغلو، في حديث لصحيفة «توداي زمان»، عن امتعاض العلويين من تصريحات وبيانات رافقت الحملات الشعبية التحضيرية للاستفتاء. وأحد المقصودين هنا كان أردوغان نفسه الذي وصف زعيم حزب «الشعب الجمهوري»، ذا الأصول العلوية، كمال كليتش دار أوغلو، بأنه «يفتقر إلى جذور عائلية أصيلة». وأجرى النائب نفسه مقارنة بسيطة بين سلوك كل من أردوغان مع العلويين، وتعاطي رئيس الحكومة الأسبق، رئيس الجمهورية الأسبق تورغوت أوزال (1989ـــــ 1993) معهم، ليخلص إلى أن أوزال عرف كيف يستميلهم ليصوتوا لمصلحته، وهم المعروف عنهم تاريخياً أنهم «لا يصوّتون أبداً لأحزاب اليمين».
ما جرى في 12 أيلول 2010 كان درساً علوياً جديداً يُضاف إلى الأمثولة الكردية، والمغزى واحد: لا يمكن تركيا أن تصبح فعلاً قوة عظمى، إلا بعدما تطوي صفحة مشاكلها الداخلية.