يعيش أباطرة القطاع المصرفي الإيطالي حالياً، رعباً حقيقياً خلّفته المصالحة الإيطاليّة ـ الليبيّة، وترجمته ازدياد نسبة مساهمات ليبيا في رأسمال أكبر مصارف إيطاليا (UniCredit)


ياسين تملالي
رفعت سلطة الاستثمار الليبيةLIA (Libyan Investment Autorithy) مساهمتها في رأسمال «يونيكريدي» 0,5 في المئة، لترتفع حصص هذا الصندوق السيادي الليبي إلى 2،575 في المئة، وحصص الأطراف الليبية عامة إلى 7،565 في المئة (مصرف ليبيا المركزي يمتلك في البنك نسبة 4،99 في المئة منذ أواخر 2008)، ليرفع ذلك من منسوب خوف بعض الإيطاليين من تعاظم الدور الليبي في اقتصاد بلادهم.
وفي حوار مع موقع المال والأعمال الإيطالي www.affaritaliani.it، علّق لوكا زايا، وهو أحد قادة «عصبة الشمال» اليمينية (المعارضة لتزايد النفوذ الاقتصادي الليبي في إيطاليا) على هذه العملية، قائلاً إنها «تعني تمكُّن الليبيين من زمام البنك»، متسائلاً عن هوية الطرف الذي يبيع لهم حصصه.
وتعود جذور الجدل عن ازدياد المساهمات الليبية في أكبر مجموعة مصرفية إيطالية إلى آب 2010، عندما اشترى LIA نسبة 2،075 بالمئة من أسهم UniCredit. ويثير تحول الليبيين، بين عشية وضحاها، إلى أكبر مساهم فيها، مخاوف مالكيها «التاريخيين» (مؤسسات صناديق التقاعد لمناطق فيرونا وتورينو وبولونيا التي لا تزيد مساهماتها مجتمعة على 11،5 في المئة) إزاء سيطرة «جهات أجنبية» عليها. وزاد هلع هؤلاء المالكين الإيطاليين بعدما أدركوا أنّ الليبيين ليسوا المساهم الخارجي الوحيد في رأسمال البنك المذكور، فصندوق «أبار» السيادي الإماراتي أيضاً بات يمتلك فيه 4،99 في المئة منذ حزيران الماضي.
وقد تحوّل الأمر إلى معضلة قانونية لمعرفة ما إذا كان يجب اعتبار مساهمتَي LIA والمصرف المركزي الليبي مساهمةً واحدة أو اثنتين. وتحدِّد الإجابة عن هذا السؤال تمثيل هذين الطرفين في مجلس الإدارة بحكم أنّ قانون البنك لا يعطي أي شريك، مهما بلغت نسبة أسهمه، أكثر من 5 في المئة من الأصوات.
ويتعين على رئيس UniCredit، دييتر رامبل، أن يعرض الحقيقةَ كاملةً عن هذه المسألة على مجلس الإدارة في 30 أيلول الجاري، وأن يبرهن له ما إذا كان مصرف ليبيا المركزي (CBL) وسلطة الاستثمار الليبية كيانين مختلفين أو كياناً واحداً يمثل الدولة الليبية في هذه الهيئة الإدارية، علماً بأنّ التحقيق يدقق في ما إذا كان فرحات عمر بن قدارة، مدير مصرف ليبيا وعضو مجلس إدارة UniCredit، هو في الوقت نفسه عضواً في مجلس إدارة LIA. وإضافة إلى جو التوتر الذي خلقه بين مساهمي البنك، سبّب ازدياد مساهمات ليبيا في رأسمال UniCredit أزمة عارمة في أعلى هرمه الإداري، وسط اتهام مجلس مراقبة البنك ومالكيه التاريخيين، المدير العام، أليساندرو بروفومو، بأنه لم يُحِطهم علماً بشراء LIA جزءاً من رأسماله.
ووفق ما نقله موقع «ليبيا 24» منذ أيام، عن مصادر «مأذون لها بالتصريح»، فإنّ طرابلس ترى أنه لا خلط بين مساهمتَي مصرفها المركزي وصندوقها السيادي في «يونيكريدي». ومن غير المستبعد، إذا توصل المحققون الإيطاليون إلى استنتاج مخالف، أن يفقد هذا البنك رخصته لإنشاء مؤسسة مصرفية ذات رأسمال مختلط في ليبيا، وهي رخصة حصل عليها في حزيران الماضي، بعد أيام معدودة لتحول الـ LIA إلى ثاني مساهم ليبي في رأسماله.
ويبدو أنّ جوّ «المصالحة التاريخية» الإيطالية ـــــ الليبية، التي كرّستها زيارة العقيد معمر القذافي إلى روما في نهاية آب الماضي، قد حوّل مشكلة «يونيكريدي» إلى وقود للجدل الدائر في أوساط الساسة الإيطاليين عن العلاقات الاقتصادية بين البلدين. جدل يعززه سلوك سيلفيو برلوسكوني لجعل ليبيا شريكاً أساسياً لإيطاليا من حيث الطاقة، وإحدى أهم وجهات استثماراتها، وحليفَها في الحرب الإيطالية الشعواء ضد موجات الهجرة السرية الآتية من جنوب الصحراء. كل ذلك حصل مقابل اعتذار روما لطرابلس عن مآسي حقبة الاستعمار الإيطالي بين 1911 ـــــ 1943، واستثمار 5 مليارات يورو في الاقتصاد الليبي.
ومن المشاريع الهامة التي يجب على إيطاليا إنجازها تعويضاً لليبيين، طريق سريع طوله 1700 كيلومتر يربط أقصى شرق البلاد بأقصى غربها. و«تعويضاً على هذا التعويض»، تعزّز موقع الشركات الإيطالية في السوق الليبية، بدليل أنّ قيمة الصفقة التي حصلت عليها مجموعة «فينميكانيكا» في آب (نظام أمني لخطّ السكة الحديدية بين بنغازي وسرت) بلغت 247 مليون يورو.
كذلك يُتوقّع أن تبلغ استثمارات الشركة البترولية الإيطالية «إيني» في ليبيا، مستوى شبه خيالي هو 25 مليار يورو، سيكرس جزء كبير منه لزيادة وتيرة استغلال النفط الليبي ضماناً لأمن الطاقة في إيطاليا التي تستورد حالياً من جارتها الجنوبية ربع احتياجاتها النفطية، وثلت احتياجاتها من الغاز.