تناغم يميني بين برلوسكوني وساركوزي: ابنا بيتان


فلورانس ــ بسّام الطيارة
التوجه العنصري لدى رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلوسكوني ومواكبته الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي دفع صحيفة إيطالية للكتابة في مقدمة تغطيتها للموضوع «لا يتوقف ساركوزيو ميلانو الصغار أبداً عن العمل». فقد كشفت التقارير الصحافية عن أن السلطات الإيطالية تهدم مخيمات الغجر وترحّلهم بوتيرة لا تقل عن الوتيرة الفرنسية المتسارعة: في العاصمة الصناعية ميلانو أُخلي ١٣٠ مخيماً فقط خلال الصيف المنصرم.
تناغم بين ساركوزي وبرلوسكوني دفع المعلقين إلى وصف الزعيمين اليمينيين بأنهما «ابنا بيتان»، الجنرال الذي حابى سياسيي ألمانيا النازية تحت نير الاحتلال.
التناغم برز منذ مطلع العام الحالي، حين لم يتردد برلوسكوني في الربط بين «ارتفاع عدد المهاجرين وارتفاع عدد المجرمين»، ما دفع زعيم المعارضة الديموقراطي لويجي برزاني إلى الاعتراض على إدارة البلاد «بواسطة سياسة الخوف». وندد عدد كبير من الأحزاب بـ«الشعارات العنصرية التي تغذي أجواء عدم التسامح، بينما ردت زعيمة النواب الديموقراطيين أنّا فينوكيارو بالقول «إن تراجع البرلوسكونية يعني تراجع في الجنوحة»، في إشارة إلى عدد الدعاوى الملاحق بها رئيس وزراء إيطاليا.
ولم تقف المفوضية العامة للاجئين التابعة للأمم المتحدة موقف المتفرج على التصريحات الإيطالية، فقد طالبت الناطقة باسمها لورا بولدريني بضرورة عدم «ربط عوامل الإجرام والجنح بمسألة المهاجرين».
في نهاية الأسبوع الماضي، نزل عدد من المهاجرين، إلى جانب جمعيات ناشطة في مجال حقوق الإنسان، إلى الشوارع للمطالبة بمعاملة «إنسانية». وقد لفت الانتباه للمرة الأولى نزول «أبناء المهاجرين» الذين ولدوا في إيطاليا ولا يحملون إلا الجنسية الإيطالية، وحملوا شعار «انتبه برلوسكوني، نحن ولدنا هنا لم نأت من بلدان بعيدة ولم نجتز حدوداً».
وبحسب عدد من الإحصاءات، فإن عدد هذه الشريحة يتجاوز مليون إيطالي لا يزالون يعانون التمييز بسبب لون بشرتهم وبسبب قوانين الهجرة التي «تربطهم بإجازات إقامة أوليائهم».
وتتحدث جمعية «تشيسلي» (CisL) عن «شباب وشابات إيطاليين يعيشون قلقاً دائماً» بسبب ارتباطهم بمزاجية مكاتب الهجرة وتقلب القوانين، رغم أنهم ولدوا هنا وتربوا على العادات الإيطالية وذهبوا إلى مدارس الجمهورية الإيطالية.
ويتحدث الكاتب روبيرتو سافيانو، الذي أصدر الكتاب الشهير عن المافيا «غومورا»، عن هذه الشريحة التي تعاني التمييز. ويصف أفرادها بأنهم «أبطال إيطاليا الأفريقيون». ويقول لصحيفة «نيويورك تايمز» «إنهم يقومون بالأعمال التي يرفض الإيطاليون القيام بها». ويتساءل: «من يدفع كراسي العجائز في المستشفيات؟ من يغير حفاضات أطفالنا الرضع؟ من ينكب على تنظيف مكاتبنا، وممرات المترو ومصارفنا ومدارس أطفالنا؟ من يعمل ١٢ ساعة ليقطف مزروعاتنا من ليمون وبندورة وعنب؟ من يبني أبنيتنا الجميلة؟ وأخيراً من يلمّ قذاراتنا؟». ويتفق عدد من المراقبين على أن «إيطاليا اليوم تعيش بواسطة ملايين المهاجرين».
إلى جانب الغجر وأولاد المهاجرين القدماء من مختلف الجنسيات، وفي مقدمتهم الصوماليون والإثيوبيون وعدد متزايد من أفريقيا الشمالية وبلدان غرب القارة السمراء ووسطها، قفزت شريحة جديدة من المهاجرين إلى واجهة الأحداث متمثلة بالمهاجرين الصينيين. ففي مقاطعة توسكانا، وإلى الشمال من عاصمتها فلورانسا، تحولت مدينة براتو إلى «مصنع صيني للألبسة»، بحسب تعبير أحد أعضاء المجلس البلدي.
فهذه المدينة المعروفة بصناعات الأقمشة الإيطالية الفاخرة شهدت تراجع حركتها الصناعية في ثمانينيات القرن الماضي قبل «أن يصل الصينيون». في البداية، وصل بضع مئات، سرعان ما لحق بهم مئات آخرون حولوا المدينة إلى «أكبر مركز لصناعة الألبسة الجاهزة والأحذية في أوروبا» بالعمل على مدار ٢٤ ساعة في ما يزيد على ٣٢٠٠ مشغل ومصنع صغير.
وفي البداية سهلت «القوانين الفضفاضة»، وتداخل تأثير المافيا في الإدارات المحلية، تأسيس وتطوير تيار أعمال هذه الهجرة الجديدة غير الشرعية، إلا أنه مع الوقت بدأ التململ يتسلل إلى العلاقة بين سكان توسكانا وجموع المهاجرين، وبدأت النزاعات تخرج من إطار المنافسة بين «صنع في إيطاليا»، التي تُعَدّ فخر الإيطاليين، وبين «صنع في الصين» التي يرى فيها الجميع تقليداً وتزويراً، لتطال أنماط المعيشة وآفاقاً حضارية وتطفو على سطح الحياة اليومية على نحو نزاعي. فالطابع التراثي التقليدي لبراتو وضواحي فلورانس بدأ يتحول رويداً رويداً إلى «شاينا تاون إيطالية»، وهو ما يثير ردات فعل عنيفة لدى التوسكانيين ورثة الفن المعماري لآل ميديتشي. تُضاف إلى ذلك المنافسة التجارية و«التحايل على القوانين» والتهرب الضرائبي، وهي من الممارسات التي تُعَدّ «رياضة وطنية في إيطاليا». إلا أن المواطن الإيطالي بات يرى مواكبة المهاجر الصيني له في هذا السياق منافسة غير مشروعة. وبدأت الحركة الصناعية التي أنعشتها اليد المهاجرة الصينية تتحول إلى اقتصاد ظل تحت الأرض من دون أن تستفيد منها مؤسسات الدولة والمديريات الضمان، بينما يستفيد المهاجرون من تقديمات الدولة، ما قاد إلى توتر بين شريحتي السكان الذين يعيشون أصلاً منفصلين. ويقود غياب الإجراءات العملية لتحسين اندماج اليد العاملة المهاجرة والضرورية للدورة الاقتصادية في ظل العولمة إلى ردات فعل شوفينية من الصعب ضبطها في حال خروجها عن عقالها الحضاري، كما حصل في عهد موسيليني وهتلر، من دون أن يستبعد البعض اندلاع ما يمكن تسميته «ثورة مهاجرين».



مزحات عنصريّة

لم يخف رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلوسكوني عنصريته، ومتابعة بسيطة لتصريحاته السابقة تدل مباشرة على عنصرية دفينة لديه. فهو لم يتوان عن التشديد على لون بشرة الرئيس الأميركي باراك أوباما «الأسمر» وزوجته ميشيل خلال قمة الـ٢٠ في مدينة بيتسبورغ الأميركية، وقال ممازحاً إنهما «أمضيا وقتاً طويلاً في البرونزاج». وفي حينها أراد البعض تصنيف هذا الحديث في باب المزاح الثقيل، رغم أنه أثار بعض القرف لدى الحضور ومنهم كارلا بروني ساركوزي. ويذكر البعض أنه في ١١ شباط الماضي، بعد مداولات في روما مع رئيس الوزراء الألباني سالي بريش حول التعاون المشترك لمنع الهجرة غير القانونية، صرح برلوسكوني للصحافيين: «قلت لسالي إننا سنسمح بالهجرة فقط لمن يحضر معه نساءً جميلات». ثم وجه كلامه للصحفيات الألبانيات قائلاً: «أنا الآن أعزب كما تعلمن»، في إشارة إلى طلاقه بعد اتهامه بفضائح جنسية وتعلقه بالحسناوات.