انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي باتت على الأبواب. ساعات فقط قبل فتح مراكز الاقتراع غداً لتحديد مصير الغالبية الديموقراطية، في وقت لا يتوقف فيه الحزبان الكبيران عن استخدام كل الأسلحة لحسم المعركة


ديما شريف

انقلاب ديموقراطي على «الكلاب الزرقاء»



من بين الدوائر النيابية الـ435 المنتشرة في الولايات الأميركية، يضمن الديموقراطيون فوزهم بما بين 180 و190 دائرة في العادة. هذه المناطق هي قلاع ليبرالية تاريخية لا يشغل مسؤولو الحزب بالهم بمعاركها كثيراً، لأنّ الوجود الجمهوري فيها قليل وغير فاعل. المقاعد الإضافية التي فاز بها الديموقراطيون في انتخابات 2008، لينالوا غالبية الـ253 صوتاً، كانت في مناطق ينشط فيها الحزب الجمهوري، كما في دوائر محافظة. معظم من ربح في هذه الدوائر هم ديموقراطيون محافظون أو ما يعرف بـ«الكلاب الزرقاء» (BLUE DOGS) نسبة إلى لون الحزب الحاكم الذي يميزه عن أحمر الجمهوريين.
هؤلاء، وعددهم 54، يؤلفون «تحالف الكلاب الزرقاء» في مجلس النواب، ويصوّتون على نحو مماثل ولا يلتزمون دائماً بقرار حزبهم. فمثلاً، حين عرض قانون الرعاية الصحية على التصويت، رفضه هؤلاء، مثلما رفضوا رزمة التحفيز الاقتصادية، إنقاذ المصارف، إنقاذ صناعات السيارات، وغيرها من القوانين. وكذلك فعل زملاؤهم «الكلاب» في مجلس الشيوخ، الذين هم أقل عدداً. هؤلاء هم الأكثر عرضة للخسارة في انتخابات التجديد النصفي غداً؛ إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أنّ بعض الناخبين قد يفضلون الاقتراع لمرشحي الحزب الجمهوري لأسباب عدّة، منها تفضيلهم «جمهورياً حقيقياً» عوض «ديموقراطي مزيّف». فهؤلاء النواب أو الشيوخ هم محافظون، يناهضون حق الإجهاض، يكرهون المثليين، ويعارضون زيادة الضرائب والحكومات الواسعة، أي يعتنقون بشكل أو بآخر برنامج الجمهوريين، لكنّهم ديموقراطيون. لذلك، يفضل بعض الناخبين، بعدما جربوهم، انتخاب منافسيهم الذين يدعم بعضهم «حزب الشاي» المتطرف. أما بعض «يساريي» الديموقراطيين، فقرروا عدم انتخاب أحد صوّت كاليمين المتطرف. هكذا، خسر الكثير من «الكلاب الزرقاء» تأييد الديموقراطيين وفشلوا في كسب أصوات الجمهوريين.
كذلك، إنّ بعض الفاعلين الديموقراطيين بدأوا يروّجون لفكرة التخلي عن «الكلاب الزرقاء» للتخفيف من حدّة الخلافات الحزبية التي برزت كثيراً خلال السنتين الماضيتين. وكثيراً ما اضطرت إدارة الرئيس باراك أوباما إلى عقد صفقات جانبية مع بعض الجمهوريين «المنفتحين» لإمرار بعض القوانين، أو الضغط على «الكلاب الزرقاء»، ومقايضتهم في قانون ما، كي لا يفشل مشروع آخر. وعانى الحزب الحاكم الذي يتمتع بغالبية 59 صوتاً في مجلس الشيوخ من إمرار الكثير من القوانين التي نجحت في تخطي عثرة «الكلاب الزرقاء» في مجلس النواب. ومنذ انتخاب أوباما، وصل عدد هذه القوانين إلى 420، تقبع في أدراج مجلس الشيوخ يعرقلها محافظو الحزب الديموقراطي، بينها أمور بديهية مثل استمرار دفع مساعدات للعاطلين من العمل.
وفي حال سقوط أكثر من نصف «الكلاب الزرقاء» في انتخابات يوم غد، فإنّ مجلس النواب الأميركي قد يصبح أكثر انقساماً. سيكون هناك ما يسميه الأميركيون «يساراً»، مع نواب ديموقراطيين يمثلون المجموعة الليبرالية في الحزب، مقابل اليمين مع نواب الحزب الجمهوري و«حزب الشاي»، ما يعني اتجاهاً أكبر نحو التطرف. أي إنّ ما يسمى «جماعة الوسط»، من الحزبين، وهم يمثّلون وسيلة التواصل الأكبر بين الطرفين ستكون أقل عدداً من السنوات الماضية. كذلك إنّ «جماعة الوسط» في مجلس الشيوخ، هم أيضاً مهددون بالانقراض لمصلحة الليبراليين والمتطرفين اليمينيين، مع وفاة الديموقراطي تيد كينيدي، وتقاعد زميليه الحزبيين إيفان بايه وبايرون دوغان، والجمهوري جورج فوينوفيتش. كذلك خسر بعض أهم الوسطيين الجمهوريين في الانتخابات التمهيدية على يد مرشحي «حزب الشاي» في يوتاه وآلاسكا. ووفق استطلاع أجرته نشرة «تقرير كوك السياسي» الإلكترونية، من بين 54 ديموقراطياً محافظاً في مجلس النواب الحالي، هناك 39 في سباقات حامية جداً، و22 يشاركون في دوائر تنقسم الحظوظ فيها مناصفة بين الحزبين. كذلك تقاعد ستة من هؤلاء وقرروا عدم الترشح مجدداً.
من بين الـ39 الذين يواجهون خطر الخسارة، هناك قادة هذا التجمع، ومنهم النائبة ستيفاني ساندلين في ولاية داكوتا الجنوبية، التي تجد نفسها متخلفة بأربع نقاط وراء منافستها الجمهورية كريستي نوام.
بعض الديموقراطيين يرون أنّ هذه الخسارة قد تفيد الحزب الذي سيستطيع إعادة تفعيل برامج عمله الليبرالية، ما يرضي القاعدة الشعبية ويحمّسها من جديد. المحلل السياسي في «مؤسسة بروكينغز» وليم غالستون، الذي كان أحد مساعدي الرئيس الديموقراطي الأسبق بيل كلينتون، قال لصحيفة «وال ستريت جورنال»، إنّه «لا مفر من حصول نقاش كبير في المسار الإيديولوجي للحزب بعد انتخابات 2 تشرين الثاني». لكنّه يضيف أنّ هذا النقاش «قد يتخذ شكلاً حضارياً أو لا».
من جهته، كتب الناشط الديموقراطي، الصحافي في مجلة «ذا نايشن» اليسارية، آري بيرمان، مقالاً يوم الأحد في 24 تشرين الأول الماضي في صحيفة «نيويورك تايمز» دعا فيه إلى «طرد الكلاب الزرقاء»، طالباً من الناخبين الديموقراطيين ألّا ينتخبوهم. ويتهم بيرمان رئيس موظفي البيت الأبيض السابق راحم عمانوئيل ورئيس «اللجنة الديموقراطية الوطنية» هوارد دين بأنّهما السبب وراء وصول بعض هؤلاء المحافظين إلى مراكزهم الحالية. فعمانوئيل، الذي كان رئيس «لجنة حملة مجلس الشيوخ الانتخابية الديموقراطية»، دعم في انتخابات 2006، بالتعاون مع دين، الديموقراطيين الذين يؤيدون حق حمل السلاح ويرفضون الإجهاض ليضمنوا بعض الوجود في الولايات الحمراء الجمهورية.
إذا صحت بعض التوقعات، ونجح الجمهوريون في سلب عشرات المقاعد من «الكلاب الزرقاء» في مجلس النواب، فقد يخسر الحزب الحاكم غالبيته، أو أسوأ، قد يتحول إلى غالبية صغيرة، تملك بضعة مقاعد أكثر من الأقلية الجمهورية. ويصبح بالتالي رهينة بيد غريمه اللدود لإمرار القوانين، بعدما كان أسير محافظيه الزرق.

كلينتون يزيح أوباما... والجمهوريون يخشون بوش




ينشغل أوباما منذ أسابيع في المشاركة في حملات المرشحين الديموقراطيين في انتخابات يوم غد. ويشاركه أبرز سياسيي الحزب وأهمهم بيل كلينتون، الذي يمتلك قدرة أكبر من أوباما على جذب المستقلين والمترددين

أمضى الرئيس باراك أوباما بضع ساعات أمس في مدينة كليفلاند، أوهايو، حيث تحدث خلال احتفال نظمته «اللجنة الوطنية الديموقراطية». قبل ذلك، تنقل بين فيلادلفيا، فيرجينيا، نيفادا وولايته إلينوي وغيرها من المدن والولايات الأميركية، وخصوصاً تلك التي يجد فيها الديموقراطيون أنفسهم متعادلين في الحظوظ مع الجمهوريين. سافر في الأسابيع الأخيرة كثيراً، زائراً أكثر من مدينة في يوم واحد، في أحيان عدّة، ليحاول دعم مرشحي حزبه في انتخابات التجديد النصفي غداً.
لا يختلف أوباما بذلك عن كلّ الرؤساء الذين سبقوه. فكلّ شاغل للبيت الأبيض يحاول استغلال شعبيته، التي من المفترض أنّها لم تنخفض كثيراً في سنتين، لدفع مرشحي حزبه قدماً في انتخابات التجديد النصفي التي تجري في عهده.
لكنّ أوباما يعاني بعض المشاكل التي جعلت بعض المرشحين ينأون عنه. شعبيته انخفضت كثيراً منذ وصوله إلى البيت الأبيض، وسببت سياساته امتعاض الناخبين، وخصوصاً قانون الرعاية الصحية ورزمة التحفيز التي استفادت منها المصارف أكثر من غيرها. لكنّه رغم ذلك لم يتراجع، وأمضى منذ أكثر من شهر معظم أيامه في المطارات متنقلاً من مدينة إلى أخرى، ملقياً خطابات تشبه تلك التي اشتهر بها أيام حملته الرئاسية، مستعيداً الشعار نفسه «نعم، نستطيع».
لكنّ الديموقراطيين لم يكتفوا برئيسهم الحالي، الذي أجّل كلّ ارتباطاته الخارجية إلى ما بعد الانتخابات، فاستدعوا كلّ الأسماء الكبيرة واللامعة للدخول إلى المعركة، ومساعدة رئيسهم المتعثر. فأمضى المرشح الرئاسي الأسبق السيناتور الحالي جون كيري بعض الوقت في ديلاوير ليساعد المرشح إلى مجلس الشيوخ كريس كونز في وجه كريستين أودونيل المدعومة من «حزب الشاي».
لكنّ الديموقراطيين أخرجوا سلاحهم النووي الأكثر فاعلية: بيل كلينتون. منذ أسابيع، ينشط «الملك»، كما يسميه محبوه، في الحملة الديموقراطية، من مدينة إلى أخرى، مستغلاً شعبيته. فكان منذ أيام في ميتشيغان لدعم النائب جون دينغل. وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب أنّ تأييد كلينتون لأحد المرشحين يرجح حظوظه بين الناخبين أكثر من مساندة أوباما. ويبدو أنّ الرئيس الأسبق قادر على استمالة المستقلين أكثر من أوباما (21 نقطة مقابل 12 للأخير بين هؤلاء). كذلك إنّ كلينتون استطاع في كلّ مهرجانات جمع التبرعات التي حضرها إقناع كل الحاضرين بالتبرع.
وفيما يشيد البعض بـ«طيبة قلب» الرئيس الأسبق الذي يساعد حزبه من دون مقابل، يقول آخرون إنّه لا يستطيع البقاء خارج الأضواء. لكنّ الأكثر ترجيحاً هو أنّه يشارك في الحملة الديموقراطية لجمع الولاءات قبل ترشح زوجته إلى الرئاسة في 2016، مع ميله الواضح إلى مساعدة المرشحين الذين دعموها في وجه أوباما في الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي في 2008.
ومهما يكن دافعه، يرَ الناخبون كلينتون، بسبب ابتعاده عن المناصب الرسمية منذ عشر سنوات، سياسياً اكتسب حكمة ومنطقاً كبيرين، ما يجعل كلمته مؤثرة بينهم، فيما يمثّل وجوده في الحملة بعض الإزعاج للرئيس الحالي؛ لأنّ كلينتون يُعَدّ داخل حزبه أنّه «الديموقراطي الذي حقق الإنجازات». ونظراً إلى نجاحه الدائم في الحملات الانتخابية، اقتبس أوباما بعض «حيل» كلينتون، فزار أحد محال «الدونات» في سياتل منذ أيام، وهو ما كان الرئيس الأسبق يفعله في كلّ مدينة يحطّ فيها رحاله.
من جهتهم، لم يرد الجمهوريون أن يقوم الرئيس السابق، جورج بوش الإبن، بأيّ مجهود انتخابي. عرف هؤلاء أنّه لن يفيدهم كثيراً. فالحربان اللتان ورط دولته بهما، والسياسات الاقتصادية السيئة تركت أثرها على شعبيته.
انصاع بوش لمطالب حزبه، ولم يحاول أن يُسهم في الحملة الانتخابية. لكنّ الجمهورييون أُصيبوا بالهلع منذ بداية الصيف حين علموا أنّ موعد إصدار مذكرات بوش سيكون في التاسع من تشرين الثاني، بعد أسبوع على الانتخابات. فمن المؤكد أنّه ستُسرَّب بعض المقاطع أو الفصول من الكتاب، الذي أعطي عنوان «نقاط القرار»، للصحافة قبل إصداره، لأغراض إعلانية. وهذا بالطبع سينعكس سلباً مع معرفة الجمهوريين المسبقة بأنّ بوش لم يذكر أي فعل ندامة في كتابه سوى أنّه لم يخصخص الضمان الصحي حين تسنى له ذلك. وهذا التصريح سيكلفهم غالياً. وتأكدت مخاوف هؤلاء حين بدأ الرئيس السابق جولته الترويجية لكتابه منذ أسابيع، ملقياً الخطابات في المدن المختلفة، ووصول فصول من كتابه إلى الصحف. هكذا بدأت استطلاعات الرأي تظهر من جديد نقمة الأميركيين على حاكم تكساس الأسبق. فوجد استطلاع أجرته صحيفة «يو إس آي توداي» ومؤسسة غالوب أنّ 71 في المئة من الأميركيين يعتقدون أنّ على بوش تحمل اللوم على الأزمة الاقتصادية، فيما توصل استطلاع آخر أجرته «سي إن إن» ومؤسسة «اوبينيون ريسيرتش كورب» أنّ 53 في المئة من الأميركيين يلومون بوش والجمهوريين على الوضع الاقتصادي الحالي. هكذا يستفيد الديموقراطيون اليوم من أي ظهور لبوش على المحطات التلفزيونية، لأنّه قد يدفع الناخبين المترددين إلى التصويت لهم. واقع جعل رئيسة مجلس النواب الديموقراطية نانسي بيلوسي تقول منذ أيام لمحطة «إم إس إن بي سي»: «لقد اعطانا (بوش) هدية آنذاك (وقت الأزمة المالية)، والهدية لا تزال تعطي ثمارها».