واشنطن ــ محمد سعيد

خاص بالموقع- بقي أسبوعان فقط لتظهر تركيبة الخارطة السياسية للكونغرس الأميركي المقبل، في وقت يبدي فيه الديموقراطيون تشاؤماً بشأن إمكان احتفاظهم بأكثريتهم في مجلس النواب، فيما يثقون بقدرتهم على الاحتفاظ بأكثرية ضئيلة في مجلس الشيوخ. أمر يشاركهم فيه الجمهوريون الذين يؤمنون بقدرتهم على انتزاع مجلس النواب، ولكنّهم قلقون من بقاء مجلس الشيوخ تحت سيطرة الديموقراطيين. ويعدّ الديموقراطيون أنفسهم أيضاً لخسارة غير مسبوقة لعدد من حاكميات الولايات التي يحتفظون بغالبيتها منذ عام 1994، ولكنّهم يحتفظون باليد العليا في المنافسة في ولايات كبرى مثل كاليفورنيا وفلوريدا وإلى حد أقل في تكساس، غير أنّ خسائرهم المرجحة ستكون في المناطق الصناعية.

وستجري انتخابات الثاني من تشرين الثاني المقبل على كل مقاعد مجلس النواب (435 مقعداً)، إضافة إلى 37 مقعداً من بين مئة مقعد في مجلس الشيوخ.

يذكر أنّ الحزب الديموقراطي يحظى حالياً بأغلبية المقاعد في المجلسين. ففي مجلس الشيوخ هناك 57 عضواً ديموقراطياً و41 جمهورياً و2 من المستقلين يقفان إلى جانب الديموقراطيين. وفي مجلس النواب يستحوذ الديموقراطيون على 257 مقعداً مقابل 178 مقعداً للجمهوريين.

وينظر المحللون وخبراء الشأن الداخلي الأميركي إلى النتائج التي ستسفر عنها انتخابات الكونغرس النصفية على أنّها إشارة إلى مدى رضى الناخب الأميركي عن سياسات الرئيس باراك أوباما وإمكان فوزه بولاية ثانية في تشرين الثاني 2012 التي سيخوض انتخاباتها ببرنامج يتضمن إنجازاته في ولايته الأولى. وهو يسعى لاستغلال العامين المقبلين لتحقيق ذلك، وخاصة في ما يتعلق بقوانين الهجرة والطاقة والتغيرات المناخية وخفض العجز الفدرالي.

غير أنّ فقدان الديموقراطيين سيطرتهم على الكونغرس أو على الأقل خسارتهم للعديد من مقاعدهم لمصلحة الجمهوريين تمثّل تحدياً استثنائياً أمام أوباما الذي سيجد نفسه مع عدد أقل من الأصدقاء في مواجهة عدد أكبر من الخصوم الجمهوريين الذي سيعمدون إلى إفشال خططه.

ويرى معظم المراقبين أنّ حكومة أوباما سعت بقوة إلى معالجة الوضع الاقتصادي ومررت مجموعة من القوانين، أبرزها خطة الإنعاش الاقتصادي بمبلغ 814 بليون دولار، وتمرير مشروع قانون الرعاية الصحية، وتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة بمبلغ 30 مليار، ووضع برنامج يقدر بـ700 مليار لمساعدة المؤسسات المالية المتعثرة، وبرامج أخرى لتوفير أكثر من مليوني فرصة عمل جديدة. لكن هذه الإجراءات لم تمس حتى الآن حياة المواطن الأميركي، لأن آثارها الإيجابية تحتاج إلى وقت طويل، ولذلك فهي لن تخدم الديموقراطيين كثيراً قبل يوم الانتخابات.

وقالت صحيفة واشنطن بوست إنّ كبار المسؤولين في البيت الأبيض يتجادلون في شأن الخيارات المتعلقة باستراتيجية أوباما خلال العامين المقبلين، ولم يستقروا بعد على خطة محددة. كذلك فإنّ أوباما نفسه لم يتحدث بوضوح بعد عن خطة محددة، وسيقرر نهجه المختلف إذا خسر الديموقراطيون الأغلبية في الكونغرس أو حافظوا على غالبية أقل.

وقال ويليام غالستون، مستشار الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، والباحث البارز في شؤون الإدارة في معهد بروكينغز، إنّ من الواضح أنّ جدول الأعمال الذي اتبعته حكومة أوباما في العامين الأولين (ذلك الذي أرادت تطبيقه وليس الذي كان عليها تطبيقه)، سيكون أصغر خلال العامين المقبلين.

وفيما تظهر استطلاعات الرأي الأميركية أنّ انتخابات الكونغرس لن تخالف القاعدة القائلة إنّ المعارضة ستكسب أغلبية المقاعد في أول انتخابات تلي الانتخابات الرئاسية بنسب مئوية تتراوح ما بين 5 ــ 11 في المئة، فإنّ الرئيس الجمهوري الأسبق لمجلس النواب الأميركي نيوت غينغريش يتوقع أن يلتقط الجمهوريون ما بين 59 ــ 63 مقعداً، أكثر بكثير من الـ39 مقعداً التي يحتاجون إليها لتكوين الأكثرية.

وتترافق هذه التوقعات مع تراجع شعبية الرئيس أوباما إلى 43 في المئة خلال الشهر الجاري مقارنة بنحو 47 في المئة الشهر الماضي، وهي أدنى نسبة من الشعبية يحظى بها أوباما منذ تولّيه الرئاسة في كانون الثاني 2009.

ويزيد من سخونة المعركة الانتخابية تبادل الاتهامات بين الحزبين، الجمهوري والديموقراطي، بشأن أسباب الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة.

يقول الجمهوريون إنّ كل ما فعلته إدارة أوباما هو فقدان الحكومة السيطرة على 16.6 تريليون دولار هي حجم الاقتصاد الأميركي. بينما يقول أوباما إنّه لو عادت الأغلبية إلى الجمهوريين فإنّ ذلك يعني العودة إلى سياسات عهد بوش الاقتصادية التي أدت إلى مرور الدولة بأسوأ وضع اقتصادي بسبب سياسات حزبه الفاشلة.

ومع أنّ الأفضلية تتجه نسبياً إلى سياسات أوباما مقارنة بسياسات بوش، إلا أنّ هناك حالة من عدم رضى عام عن مجمل الأداء الداخلي. فيبدي غالبية الأميركيين استياءهم من الطريقة التي يسيّر بها أوباما شؤون البلاد. إلا أنّهم في الوقت نفسه يعتقدون أنّ أوباما يدير شؤون الاقتصاد الأميركي بطريقة أفضل من سلفه جورج بوش.

ويرى مراقبون أنّ التوجهات العامة للناخبين تؤكد عدم رضى الناخب الأميركي عن سياسة كلّ من الحزبين (الديموقراطي والجمهوري) في إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية ووجود شعور عام بأنّ كليهما لم يستطع اتخاذ سياسات فاعلة لتحقيق قفزة اقتصادية تحدّ من ارتفاع معدل البطالة في الولايات المتحدة الذي بلغ 9.6 في المئة.

وطبقاً لاستطلاعات الرأي، فإنّ مواطني الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة لا يجدون فروقاً اقتصادية كبيرة في المستقبل، سواء احتفظ الديموقراطيون بالأغلبية الراهنة أو استطاع الجمهوريون انتزاع هذه الأغلبية في مجلسي الكونغرس.

ويمتد الشعور بعدم الرضى عن مجمل الأداء الاقتصادي إلى الناخبين المستقلين، إذ يشير الاستطلاع إلى أنّ 65 في المئة منهم لا يعوّلون على أي من الحزبين لتحسين حياتهم الاقتصادية. ويعتقد 11 في المئة منهم أنّ أمام الاقتصاد فرصاً أفضل لو استمر الديموقراطيون في الحصول على أغلبية مقاعد الكونغرس، وذلك مقابل 21 في المئة يعتقدون أنّ الاقتصاد سيتحسن إذا حظي الجمهوريون بالأغلبية.

يذكر أنّ هذه الشريحة من الناخبين قد أعطت غالبية أصواتها لأوباما في انتخابات الرئاسة وللديموقراطيين في انتخابات الكونغرس 2009.

ويقول لاري ساباكو مدير مركز السياسات العامة في جامعة فيرجينيا، إنّ المستقلين صوّتوا بنسبة 52 في المئة لأوباما ولحزبه مقابل 47 في المئة صوّتوا للجمهوريين، أي إنّهم كتلة مهمة جداً رجّحت كفّة الديموقراطيين في الانتخابات السابقة مثلما رجّحت كفة بوش عامي 2000 و2004.

ومن المؤكد أنّ الديموقراطيين يواجهون صعوبات بالغة في هذه الانتخابات، رغم أنّهم تمكنوا من إمرار العديد من القوانين والإجراءات التي تهدف إلى تحسين الوضع الاقتصادي والمالي.

ويرى مات ديكنسون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميدلبري بولاية فرمونت، أنّه ستهيمن على انتخابات منتصف الولاية الوظيفة أولاً والاقتصاد ثانياً، معتبراً أنّ «من الممكن أن يلجأ الديموقراطيون إلى استخدام ورقة حصيلة حكومة بوش».

وفي المقابل، يقول تايلور غريفين، المتحدث الاقتصادي السابق باسم المرشح الجمهوري السابق للرئاسة الأميركية جون ماكين، «إنّ اتجاهات استطلاعات الرأي، وإنّ كانت تؤكد عدم تحيّز الناخبين لسياسات الجمهوريين الاقتصادية، لكن التصويت قد يتجه لمصلحتهم، لأنّ من الواضح أنّ ثمة رفضاً عاماً لسياسات الديموقراطيين الحالية».