باريس ــ بسّام الطيارة

إلا أنه رغم أهمية هذين الملفين وانعكاساتهما على الأمن الدولي، فإنهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاًً بتصاعد قوى جديدة عسكرياً واقتصادياً، وبالتالي سياسياً.
إن تحديد مفهوم جديد للحلف الأطلسي، أي إيجاد أهداف استراتيجية جديدة، هو نوع من البناء على «نجاح المفهوم والأهداف السابقة»، وأبرزها تحقيق توسع في دائرة عمل الحلف من دون الكثير من المعارضة. ولا يتردد دبلوماسي عربي بوصف توسع الحلف وانتشاره بأفعوان مائي ذي تسعة رؤوس، يحيط بالقارات وتتشابك أذرعه حول دول عديدة. إلا أن هذا الانتشار الذي يطاول النقاط الساخنة في العالم يأتي في مرحلة «جفاف مالي» نتيجة الأزمة المالية العالمية وسياسات التقشف التي تجتاح الدول الغربية، والوهن الذي أصاب «هيكلية العولمة المالية» في حروب العملات التي تترك أثراً لا ريب فيه في السياسات العامة التي ترسم معالم الصراعات المقبلة.
مهما يكن من أمر، فإن الملفين الإيراني والأفغاني يقعان في نطاق الأبعاد التي يمكن أن يقوم عليها المفهوم الجديد، وهو «خطر التمدد الإسلامي المعادي للغرب». ومن هنا أهمية هذين الملفين اللذين ينفتحان في طياتهما على مختلف مناطق الشرق الأوسط وصراعاتها، وفي مقدمتها الصراع العربي الإسرائيلي، والإرهاب وتعريفه، وتمدد جغرافية ما يعرف بإرهاب تنظيم «القاعدة».
ومن الطبيعي أن الوضع في أفغانستان سوف يأخذ حيزاً كبيراً من النقاشات، وخصوصاً أن «طلبات الانسحاب من المستنقع الأفغاني تتكدس» أمام القيمين على «الحرب في أفغانستان»، مثل هولندا وكندا وبريطانيا بطريقة أخف، إذ إن الحلف منغمس في أفغانستان بطريقة مباشرة، حتى إن كان الإعلام الرسمي يشدد على وصف «القوات الدولية»، وهو تعبير يشمل إلى جانب قوات الأطلسي قوات «الإيساف» والقوات الأميركية، التي تعمل تحت تسمية «عملية الحرية الدائمة»، التي أطلقتها الولايات المتحدة غداة هجمات 11 أيلول.
وعلمت «الأخبار» من مصدر مقرب جداً من الاستعدادات الميدانية للقمة، اشترط كتم هويته، أنه جرى التوافق على «استراتيجية خروج» من أفغانستان، وأن النقاش يدور حول وضع «معايير لتبرير هذا الخروج». كما كشف أن تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما عن «سحب القوات الأميركية بحلول خريف ٢٠١١» ليس إلا تعبيراً عن «طموحات الأهداف التي تناقش»، وليس تاريخاً ملزماً، وخصوصاً إذا لم يجرِ الوصول إلى هذه الأهداف، التي تلتقي مع المعايير التي يجري التنسيق بشأنها. وهو ما وصفه الناطق الرسمي باسم الحلف في كابول، مارك سيدويل، بأنها «خطة تقضي بنقل كامل المسؤوليات إلى الحكومة الأفغانية خلال أربعة أعوام». إلا أن المصدر ذكر أن الخروج هو حسب المعايير التالية:
1- القدرة على تجميع الجيوش الأجنبية في مناطق تمنع «قلب نظام الرئيس حميد قرضاي».
٢ - تراجع عدد هجمات «طالبان» المكلفة من ناحية الخسائر العسكرية.
٣ - انتشار متمركز وقوي للجيش الأفغاني في مواقع يسهل الدفاع عنها.
٤ - نجاح خطة «استمالة أفراد من طالبان». ويقول المصدر في هذا الصدد إن «عشرة عناصر إلى خمسة عشر عنصراً من طالبان يسلمون أسلحتهم يومياً». إلا أنه يستطرد أنه بالمقابل «من الصعب وقف نزف هرب أفراد الجيش الأفغاني الجديد».
إلا أن خبيراً عمل سابقاً على الملف الأفغاني يقول إن استسلام بعض عناصر «طالبان» لا يعني شيئاً على الصعيد العسكري، فهم لا يلتحقون بالجيش بل يعودون إلى منازلهم وقراهم في مقابل مبالغ مالية. ولا يستبعد الخبير إمكان أن يعودوا للانضواء تحت لواء «طالبان» في أي وقت.
إلا أن القائد السابق لكتيبة «لافاييت» الفرنسية المشاركة في أفغانستان، الجنرال بيار شافانسي، ذكر لـ «الأخبار» أن القوات الدولية «تربح حرب المساجد»، في إشارة إلى حصول «تغيير في خطاب أئمة المساجد»، وتجفيف مسارات تجنيد أفراد في «طالبان»، إضافةً إلى اتّباع سياسة جديدة من جانب القوات الدولية تقضي بفرز «قطعة أرض ومد أقنية الري وتأمين مصدر رزق عبر شراء المحصول»، ما يثبّت «الفلاحين الأفغان في أرضهم»، عوضاً عن الالتحاق بـ «طالبان».
رغم هذا، فإن الإعلان «شبه اليومي» عن ضحايا في القوات الدولية يدل على أن الأمور لا تزال بعيدة جداً عن الصورة المثالية التي يمكن أن يضعها الجنرالات أمام القادة اليوم في لشبونة.
كما أن جميع المراقبين يتفقون على أن الوضع الأفغاني له امتدادات شرقاً نحو باكستان، وبالتالي يمس التوازن مع الهند، ويمكن أن يشعل من جديد الجبهة الكشميرية، ويمتد غرباً نحو إيران، وأن أيّ «انزلاق في هاتين الجبهتين» يقود إلى إعادة خلط الأوراق في المستنقع الأفغاني. وفي الوقت ذاته، يعلم الجميع بأنّ الحلف الأطلسي «مهتم كثيراً» بالحالة الإيرانية، وأن إعلان نشر صواريخ متوسطة المدى (الدرع الصاروخي) في تركيا هو عملية موجّهة لردع إيران.
وترى المصادر الايرانية أن وراء هذه الخطوة، «نيات مشبوهة»، ولا سيما أنها ترافقت مع «مناورات جوية عسكرية لمدة خمسة أيام» تقضي بالتصدي لطائرات عدو وهمي بهدف اختبار الدفاعات الجوية.
ويقول خبير في هذا الشأن إنه جرى «تقاسم المهمات بين واشنطن وأوروبا»، إذ تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية نشر شبكة صواريخ عابرة للقارات، بعد أن تصل إلى توافق عليها مع موسكو، بينما تتكفّل الدول الأوروبية بشبكة صواريخ متوسطة المدى يمكن «تبريرها بالدفاع عن النفس»، وهو ما يمكن أن تقبله روسيا. ويشير الخبير إلى أن «نشر هذه الشبكة في تركيا هو إشارة إلى أن أنقرة ليست مستهدفة ولن تكون مستهدفة مستقبلاً»، إذ إن «الحالة التركية» متشابكة كثيراً في الملف الإيراني عبر التهديدات الإسرائيلية لإيران، التي «تنتشر في أجواء الشرق الأوسط»، الأمر الذي يتخوف منه قادة الأطلسي، لأنه قد يقود إلى تغييرات استراتيجية في مناطق لم «تثبّت هيكلية تعاون أطلسية معها بعد».
ويقول أحد الخبراء إن الحلف الأطلسي مستعد للعمل في منطقة الشرق الأوسط، إلّا أن هذه الخطوة تتطلب «تجاوز عدد من الحواجز النفسية». كما أن أي انزلاق بسبب تهور إسرائيلي، يؤخر الاستعدادات القائمة. ويؤكد أنّ «تعاوناً قائماً اليوم بين عدد من دول المنطقة والحلف الأطلسي»، وخصوصاً في مسار الحرب على الإرهاب، من دون التطرق إلى «الخطر الشيعي»، ويشرح، بالتالي، بأنّ «ضرب إيران من منطلق شرق أوسطي يعيد الأمور إلى مربع شيعي، لا يود الحلف الأطلسي الدخول فيه، وخصوصاً أنه يسعى إلى وضع الحالة الإيرانية في مربع الخطر النووي على السلام الدولي».