أظهرت إدارة الأزمة في شقّها المتّصل بالانتظام العام للموازنة ولا سيما على مستوى الإيرادات، أن خيار الترقيع هو خيار فاشل، حتى لو لم يكن الأمر يتعلق بتصحيح للسياسات الضريبية. فمن الواضح أنه بالنسبة إلى العصابة الحاكمة، إن وقت تصحيح السياسة الضريبية لم يأت، إنما هو الوقت الملائم لـ«شراء المزيد من الوقت» عبر إجراءات لا هدف واضحاً منها، إذ لا تؤدي إلى تصحيح ما دمّرته الأزمة ولا تغيّر في بنية السياسات الضريبية، بل هي تعمّق مفهوم الفوضى المتبعة الآن في سياق تعددية أسعار الصرف وتحميل المجتمع عبر التضخّم كلفة تذويب الخسائر.



يقول صندوق النقد الدولي إن الكلفة المالية الناتجة التي تكبدتها الخزينة بسبب ما أسماه «التقييم الخاطئ» للجمارك ورسوم الاستهلاك والضریبة على القیمة المضافة والناتجة من استخدام سعر صرف محدد سلفاً قيمته 1.507 لیرة لبنانیة، مقارنة بسعر السوق الذي بلغ 38 ألف لیرة في 22 أیلول 2022، هي عبارة عن خسارة في الإيرادات قيمتها تعادل 4.8% من الناتج المحلي لعام 2022. آخر أرقام الصندوق عن الناتج في لبنان تعود إلى عام 2020 وقدّره بنحو 24 مليار دولار، علماً بأن البنك الدولي حدّد الناتج لعام 2022 بنحو 14 مليار دولار ثم أعاد احتسابه ليصبح 21.3 مليار دولار.
أصلاً لبنان يعاني من مشكلة ضريبية بنيوية. وهي مشكلات تسهم في التهرّب الضريبي لدى فئة على حساب فئات أخرى، وتعمّق اللامساواة في تسديد الضريبة، وتمنح الإعفاءات لمن لديهم القوّة الأكبر في ميزان الحكم. وكل هذه الأمور ملحوظة لدى صندوق النقد الدولي. فهو يعتقد أن فعالية ضريبة القيمة المضافة ضعيفة في لبنان لأن المستهلك يسدّدها لكن الشركات تتهرّب منها، وهو يدرك أن هناك فروقات كبيرة في الضريبة المفروضة على الأرباح والضرائب المفروضة على الدخل. فالأخيرة تخضع لنظام ضريبة تصاعدي، بينما هناك فئات عديدة ضمن شريحة الخاضعين لضريبة الأرباح تخضع لضريبة مقطوعة أو لمعدلات متدنية لا تصاعدية ومن ضمنها ضريبة الفوائد. إضافة إلى ذلك، هناك إعفاءات ضريبية لا منطق لها مُنحت عبر «إيدال»، وعندما تخضع الشركات الكبرى للضريبة في لبنان، فإنها تولّد ضرائب لبلدان أخرى لأنها تخضع لمعدلات ضريبية متدنية في لبنان أقل من الخارج حيث تعمل أيضاً.
كل هذه البنية وتشوّهاتها المقصودة، كانت موجودة قبل الانهيار الذي أتى بمفاعيل ضخّمت وفاقمت هذه التشوّهات بسبب تعدّدية أسعار الصرف والقرارات التي اتخذت في سياق التعامل مع الانهيار. فالانتقال إلى نظام ضریبي أكثر كفاءة وفعالیة وشمولاً يتطلب تصحيحاً وإجراءات على المدى القريب لم تنفذ لغاية الآن، قبل الدخول في ورشة التصحيح التي يفترض تنفيذها على المدى المتوسط والبعيد. فمن الأمور الملحّة الآن، هو أن يتوقف الاعتماد على منهج التجزئة في التعامل مع التصحيح، والتخلّي عما يسمّيه صندوق النقد بـ«التدابير المخصّصة وغير المنسّقة». يقول الصندوق: «ينبغي استخدام سعر صرف سوقي موحّد في كل التقییمات للأغراض الضریبیة... سعر الصرف المخصّص للتقییم الضریبي لیس المقصود منه، ولا ینبغي، أن یكون خیار السیاسة الضریبیة أو أن تكون له قیمة مخصّصة تتحدّد سلفاً. بل نوصي بقوّة بعدم اعتماد سعر صرف أدنى من سعر منصة صیرفة». أيضاً يجب مراعاة التضخّم المرتفع في عملية التصحيح هذه، من خلال «إعادة تحدید رسوم الاستهلاك وحدود التكلیف ذات القیم الاسمیة وربطها بالتضخم... وينبغي معالجة التقویض المستمر للعدالة الأفقیة والرأسیة». كذلك يشير إلى «وقف المعاملة التفضيلية المفرطة في ما يتعلق بالضريبة على عائدات رأس المال: «فرض ضرائب أقل مما ینبغي على الميسورین يؤدي إلى إضعاف الإیرادات وتقلیص دور السیاسة الضریبیة في إعادة توزیع الدخل».