يوم الاثنين الماضي، أقرّ مجلس النواب موازنة 2022. تضمّنت هذه الموازنة تسديد فوائد الدين العام بقيمة 3570 مليار ليرة فقط، إلّا أنّ هذا المبلغ لا يشمل استحقاقات سندات الخزينة بالعملة الأجنبية (يوروبوندز) والفوائد المترتبة عليها والمقدرة لغاية اليوم بنحو 13.4 مليار دولار، أي ما يساوي 95% من الناتج المحلي الإجمالي، إذ ما زالت وزارة المال تحتسب استحقاقات هذه السندات باعتبارها متأخّرات لم يتم إدخالها في حساب الدين العام بذريعة أن هذا الدين عرضة للاقتطاع حين تجري إعادة هيكلة الدين العام، وبالتالي ليس واضحاً ما هي المبالغ التي ستترتب على الخزينة.



إذاً، اختارت الدولة أن تتجاهل وجود دين مستحق بالعملة الأجنبية بشكل كامل. حتى إنها لم تتكلّف عناء اتخاذ مؤونات احتياطية لمواجهة قسم من هذا الدين. فلم توضع أي سيناريوهات عن الحدّ الأدنى المتوجّب على لبنان دفعه للدائنين، ولا سيما الدائنين الأجانب، وبالتالي تضمين هذه المبالغ في الموازنة لإظهار حجم الدين الفعلي ونسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي. فمثل هذه السيناريوهات ليست ضرورية فقط لمراقبة الدين العام وعجز الخزينة، إنما هي حيوية لتطبيق القاعدة التي يفرضها صندوق النقد الدولي على المقترضين بأن يكون الدين العام مستداماً. والمؤشّر على ذلك هو نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي التي يجب أن تكون أقلّ من 100% ضمن فترة متوسطة المدى. ولا يجب أن نغفل أن مصرف لبنان طلب من المصارف احتساب خسائر متوقعة على توظيفاتهم في سندات اليوروبوندز بنسبة 45% من قيمتها. وهناك دراسة أجراها البنك الدولي في تقريره الأخير بعنوان «بونز المالية العامة في لبنان» تحدّد السيناريو الأسوأ والسيناريو الأفضل للبنان بعد معاينة عمليات الهيركات على السندات منذ عام 1978 لغاية 2020، إذ تبيّن أن أقلّ نسبة هيركات كانت 7% في الأورغواي عام 2003، وأعلى نسبة هي 75% في الأرجنتين عام 2005، علماً أن في اليونان بلغت 65% في 2012. بخلاصة الدراسة تبيّن أن السيناريو الجيد للبنان هو اقتطاع 50%، والسيناريو الأسوأ هو اقتطاع 25%.
وبالتالي فإن التسليم بأن سندات اليوروبوندز قابلة للاقتطاع من دون أي خطوات استدراكية، أمر فيه الكثير من الإهمال والتقصير، سواء من وزارة المال أو الحكومة أو من مجلس النواب. طبعاً، ليس لدى هؤلاء هدف واضح من هذه المسألة سوى مواصلة «تركيب الطرابيش»، أي إخفاء عجز الموازنة الفعلي، لذا في الساعات الأخيرة من جلسة مجلس النواب التي أقرّت فيها الموازنة، جرى الاتفاق على زيادة الإيرادات بقيمة تفوق 6 آلاف مليار ليرة لتصبح الإيرادات 29986 مليار ليرة والنفقات 40873 مليار ليرة والعجز 10887 مليار ليرة.
لكن ما الذي يحصل لو أضفنا المتأخرات المترتبة على الدولة في عام 2022، إلى الموازنة، أي ما قيمته 4 مليارات دولار؟ ماذا لو اعتبرنا أن نصف هذا المبلغ فقط سيترتب على الخزينة؟ أو ثلثه؟ وماذا أيضاً لو أضفنا كل المتأخرات منذ 2020 لغاية اليوم، أي ما قيمته 13.4 مليار دولار؟ كيف سيكون شكل الموازنة عندئذ؟
في الواقع، المسألة الأولى التي يفترض حسمها قبل كل ذلك، هو أي سعر صرف سيعتمد لتسديد هذه المتأخرات. فهي أموال مستحقة للخارج على لبنان، وبالتالي ستُسدّد بالعملة الأجنبية حصراً. والخيارات المتاحة هنا أن تسدّد هذه الأموال من سيولة مصرف لبنان ولن يحتسبها أقلّ من 15 ألف ليرة إذا تبنّت الحكومة تعديل سعر الصرف إلى هذا المستوى، أو لن يوافق مصرف لبنان على احتسابها أقلّ من سعر صيرفة البالغ 29800 ليرة. بهذا المعنى، فإن احتساب ثلث المتأخّرات لعام 2022 وحده، أي ما يوازي 1.33 مليار دولار، ستبلغ وفق سعر صرف 15 ألف ليرة، نحو 20 ألف مليار ليرة، ما يعني أن نفقات الموازنة ستزداد من 40873 مليار ليرة إلى نحو 61 ألف مليار ليرة، والعجز سيفوق 30 ألف مليار ليرة.
رغم ذلك، ثمة ما يوجب احتساب ثلث كل المتأخرات باعتبار أن لبنان تمكن من انتزاع اتفاق مع الدائنين على اقتطاع 70% من الديون، فهذا يعني أن قيمة ما سيترتّب على لبنان سيبلغ 4 مليارات دولار، أي 29% من الناتج المحلي الإجمالي، وما يفوق 5 أضعاف إيرادات الموازنة. وستزداد قيمة النفقات إلى 100 ألف مليار ليرة إذا احتسبت هذه الديون على سعر صرف يبلغ 15 ألف ليرة، ومعها سيرتفع العجز إلى 71 ألف مليار ليرة.
كل حسبة تأخذ لبنان نحو منحدر أعمق. فعقل السلطة اللبنانية في التعامل مع الأزمة، هو عقل مجرم ومدمن على إخفاء الحقائق التي ستنكشف الآن أو لاحقاً. وهو أيضاً عقل محاسبي، أي أنه سيفتّش عن طرق لزيادة الضرائب على العموم وإعفاء الأثرياء، لتمويل عجوزات كهذه.