بين عامَي 2021 و2022، ارتفع معدّل كلفة استيراد صفيحة المازوت بنسبة 86% ما انعكس ارتفاعاً كبيراً في أسعار مبيع الصفيحة محلياً، إذ ارتفع سعرها خلال 12 شهراً، ثمانية أضعاف. بعض هذا الارتفاع في السعر المحلي ناتج عن تحرير الصفيحة من الدعم (تمويل ثمنها بدولارات من مصرف لبنان وربطها بسعر الصرف في السوق الحرّة)، إنما لا شكّ بأن سعر الصفيحة في مطلع شباط، أي عشية اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، كان أقل بنحو ضعفين ونصف ما هي عليه اليوم. وأسعار النفط العالمية بدأت ترتفع في نهاية شباط الماضي محفّزة بتوقعات سلبية عن وضع النفط والغاز الروسي على لائحات العقوبات، علماً بأن روسيا هي أكبر مصدّر للغاز و ثالث أكبر مصدّر للنفط في العالم.



هذه التوقعات دفعت أسعار النفط والغاز العالميّة إلى الارتفاع بوتيرة سريعة، إذ إن حظر الإنتاج الروسي عن الولوج إلى السوق العالمية، لم يترجم قلقاً في نقص الإنتاج فحسب، بل كان إشارة بأن المشكلة ستزداد عمقاً وصعوبة. وهذا ما حصل بالفعل، إذ إن الأمر لم يعد يتعلق بالقدرة الإنتاجية، بل صار مرتبطاً أيضاً بسلاسل التوريد، ولا سيما عبر البحر الأسود.
بالطبع، إن ارتفاع أسعار النفط الخام، تعني بالتأكيد ارتفاعاً موازياً في أسعار المشتقات النفطية مثل البنزين والمازوت. ومشكلة لبنان في هذا المجال، أنه أصبح يعتمد بشكل أكبر على المازوت من أجل توليد الكهرباء بعد توقف شبه تام لمعامل إنتاج مؤسسة كهرباء لبنان. إذ أصبحت المولدات الخاصّة التي تعمل بواسطة المازوت، هي المصدر الأساسي للتغذية بالتيار الكهربائي لغالبية السكان. وبالتالي، فإن الارتفاع الهائل في أسعار استيراد المازوت انعكس ارتفاعاً في فاتورة الكهرباء على الأسر، فضلاً عن انعكاس أكبر على المؤسّسات الرسمية والخاصة التي ليس لديها مصدر للكهرباء سوى الإنتاج عبر مولدات خاصة. الكلفة ارتفعت على الخزينة، وعلى أكلاف إنتاج القطاع الخاص أيضاً.


وحتى نهاية عام 2021 كان التضخّم التراكمي منذ بداية الأزمة عام 2019، قد بلغ 759%. نتج ذلك بشكل أساسي من تراجع قيمة الليرة بأكثر من 92% في تلك الفترة، إنما ارتفاع الأسعار العالمية للمازوت أتى في أسوأ وقت ممكن على الأسر المقيمة في البلد، والتي أصبح جزءٌ كبيرٌ منها غير قادر على تأمين خدمة الكهرباء بشكل مستمر، حيث تتلقّى الأسرة العادية المقيمة في لبنان أقل من 12 ساعة كهرباء يومياً، وهو أمر يعود إلى سببين: الأول، ارتفاع الأسعار إلى مستويات تفوق قدرات الأسر المالية، في ظل تصحيح هزيل للأجور، إذ إن غالبية الأسر المقيمة في لبنان باتت مجبرة على تخصيص حصّة أكبر من مداخيلها للإنفاق على الغذاء، وبات الحصول على التيار ضمن أولويات أقلّ شأناً وأهمية لاستمراريتها. والثاني، يتعلق بالقدرة الإنتاجية للكهرباء المتاحة، لا سيما أن مولدات الأحياء لديها كلفة إنتاج مرتفعة ليست مرتبطة فقط بارتفاع سعر المازوت، إما تقنياً هذه المولدات كبيرة وتستهلك كميات أكبر من المازوت لإنتاج كميات من الكهرباء لا يمكن بيعها كاملة، ما يعيق زيادة الإنتاج.