ظلّت السلطة وأبواقها الحكومية تردّد بأن زيادة «الدولار الجمركي» لن تؤثّر على أسعار السلع الأساسية المُعفاة من الرسوم الجمركية أصلاً. واستُعملت هذه الذريعة من أجل الترويج للقيام بهذا الإجراء بشكل منفصل عن أي خطّة أو رؤية. وبدا كأنّ هذه السلطة لا تعاني نوبات مفرطة في النفوذ بدلاً من نوبات الهلع من الأزمة. لذا، لا تشعر بأنها ملزمة بتقديم ولو أي تنازل بسيط، إذ تفضّل المواظبة على المكر والخداع. فالإحصاءات التي بين يدي الحكومة، تشير بما لا يرقى إليه شكّ، إلى أن السلع الأساسية ستتأثّر، سواء أكانت غذائية، أم طبية واستشفائية، أم منزلية وشخصية، أم حتى إنتاجية متصلة باستمرارية القطاعين الزراعي والصناعي.



لا يمكن التمييز بين السلع المستوردة في لبنان على أساس النوع حصراً، بل يتم الأمر بالاستناد إلى نوع الرسوم المفروضة على السلع المستوردة، ونسبة الرسم الجمركي، والإعفاءات التي تصيب السلع سواء بسبب اتفاقيات تجارية ثنائية مع بلدان محدّدة، أو اتفاقيات أكثر شمولاً مع مجموعات دول. لذا، فإن كذب قوى السلطة بشأن ما الذي يصيبه الدولار الجمركي من سلع، هو واضح. فهناك سلع غذائية تخضع للرسم الجمركي بقيمة 780 مليون دولار في مقابل سلع بقيمة 3.5 مليارات دولار مُعفاة من الرسم الجمركي. التمييز هنا لا يكون على أساس رقمي، بل على أساس نوعي أيضاً؛ فهل هي سلع أساسية وحيوية وذات حساسية عالية للمستهلكين؟ من بين السلع غير المُعفاة، هناك اللحوم المجلّدة على أنواعها من أبقار ودجاج وماعز وخنزير، وهي الأرخص سعراً مقارنة مع اللحوم الطازجة التي تستورد على شكل حيوانات حيّة يتم علفها محلياً وذبحها. كذلك هناك بعض أنواع الخُضر والحشائش والمزروعات الأخرى مثل اللوبياء والبازيلاء والفاصوليا والكرات والكرفس... أيضاً بعض أنواع الأجبان والعسل والمكسّرات على أنواعها، والفطر وبعض أنواع الفواكه، والزيوت النباتية... اللائحة طويلة، لكنّ المشكلة فيها أنها لا تتعلق حصراً بالمواد الغذائية، إذ إن المنتجات الصيدلانية خاضعة للرسوم أيضاً بنسبة 5%. كل أنواع الأدوية والمستلزمات الطبية واللقاحات ستتأثّر أيضاً بزيادة الدولار الجمركي. بالنسبة إلى الزراعة والصناعة، هناك الكثير من أنواع البذار الخاضعة للرسم، والكثير من المواد الأولية الضرورية للإنتاج، ستصبح خاضعة هي أيضاً. السلعة الوحيدة التي لا تتأثّر هي المشتقات النفطية التي تدفع رسومها الجمركية حالياً، بسبب وجود جدول تركيب أسعار يصدر عن وزارة الطاقة، بحسب سعر الاستيراد الفعلي المختلط بين سعر «صيرفة» بنسبة 70% وسعر الدولار في السوق الحرّة بنسبة 30%.
إذاً، الأمر ليس بسيطاً وسهلاً، إذ إن الأداة المسماة «الرسم الجمركي» هي ليست أداة اقتصادية تتعلق بعلاقة لبنان مع الخارج وشكل الاقتصاد المحلي ومدى اعتماده على الإنتاج المستورد. كذلك هي أداة للتمييز بين التفاضلية التي يمارسها لبنان تجاه قطاعات الإنتاج مقارنة مع تعزيز النمط الاستهلاكي. فلنأخذ مثلاً، الاتفاقيات التجارية الثنائية التي يبدو أنها تجنّب بعض السلع الغذائية المستوردة في أوقات معينة من زيادة الدولار الجمركي، لكنها في بعض الأوقات تعفي كل السلع كل الوقت، ولا سيما السلع الواردة من الاتحاد الأوروبي. قد نستورد سلعة ما من أوروبا برسم جمركي يساوي صفراً، ونستورد السلعة نفسها من بلد آخر غير أوروبي برسم جمركي يساوي 5% أو أكثر.
إذاً، ما الذي يجب أن نتحكّم به؟ هل يجب أن نكرّس كل النقاش من أجل تعزيز حاصلات الرسوم الجمركية لتعزيز الخزينة، أم يجب أن نستعمل هذه الأداة لتطوير اقتصاد لبنان؟ لذا، يمثّل «الدولار الجمركي» في ظل التحرير الذي أصاب سعر صرف الليرة مقابل الدولار، فرصة لتطوير منهجية اقتصادية تهدف إلى إعادة تفضيل الإنتاج على الاستهلاك، ولا سيما أن جوهر النمط الريعي، أي المصارف والعقارات، هو الآن مجرّد «زومبي» لا حياة فيه. الدولار الجمركي هو أفضل الأدوات لتقييد نزف الدولارات من لبنان. هو أفضل أدوات الكابيتال كونترول الذي يُستعمل حالياً، في البازار اللبناني التقليدي؛ أي تعويم الخزينة على حساب المستهلكين، وتوجيه اللوم الشعبي إلى متخذي القرار. هذا يعني أن قوى السلطة لن تقدّم أي تنازل لمصلحة هذا المجتمع والدفع عميقاً نحو معالجة أزمته. لذا، الدولار الجمركي لن يكون سوى وصفة للتضخّم والمزيد من الترقيع في بنية نموذج ينزف حتى الموت.