بحسب تقديرات البنك الدولي، سيسجّل الاقتصاد اللبناني انكماشاً بنسبة 36% في نهاية السنة الجارية لينخفض الناتج المحلّي إلى 14.1 مليار دولار مقارنة بنحو 22 ملياراً في السنة الماضية، ما يعني أن الاقتصاد ما زال في مسار الانحدار، ولم يصل إلى نقطة التوازن التي تعكس مساره نحو التعافي. ورغم أن هناك شكوكاً في دقّة هذا الرقم، إلا أن المسار ما زال في الوجهة نفسها نزولاً.



منذ بداية الأزمة، لم يستطع صُنّاع السياسات في لبنان، ماليّة كانت أو نقدية، اتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع حدّ للتدهور. فمع سياسات مصرف لبنان، القائمة على طباعة الأموال، استمرت عمليّة الانهيار في سعر العملة الوطنيّة، ما ساهم بشكل كبير في ضرب الاستهلاك اللبناني الذي كان يشكّل الحصّة الكبرى من الناتج المحلّي اللبناني. في الوقت نفسه، مع تدهور وضع الماليّة العامّة في لبنان، لم يعد للإنفاق العام قيمة كبيرة في الاقتصاد، خصوصاً مع الأخذ في الحسبان عامل انخفاض قيمة العملة المحليّة. وأخيراً، إن تدهور قيمة العملة بهذا الشكل، بالإضافة إلى عدم وجود قطاع مصرفي يتمتّع بالثقة، ساهما في انخفاض الاستثمارات الخاصّة في الاقتصاد. وذلك لأن أصحاب رؤوس الأموال لا يستثمرون في ظروف عالية المخاطر وقليلة العائدات، كما هو الحال في الاقتصاد اللبناني. فمخاطر انخفاض قيمة العملة بشكل إضافي مرتفعة، في المقابل الظروف الاقتصادية لا تخلق فرصاً للحصول على عوائد مرتفعة مقابل الاستثمارات. يشكّل الاستهلاك والإنفاق العام والاستثمارات العناصر الأساسيّة لاحتساب الناتج المحلّي الإجمالي.
أصبح الاقتصاد اللبناني معتمداً بشكل كبير على التحويلات الماليّة من الخارج. فقد بات صافي التحويلات الخارجية إلى البلد يمثّل 26.7% من الناتج المحلّي بعدما كان 6.1% في عام 2019. كما أصبح اقتصاد لبنان، يعتمد بشكل أكبر على الصادرات القليلة التي باتت تمثّل 25.8% من الناتج المحلّي، بعدما كانت 9.3% في عام 2019. إن تساوي صافي تدفقات تحويلات المغتربين مع الصادرات، كنسبة من الناتج المحلّي، هو أحد مظاهر المشكلة في البلد التي تتمثّل بنقص حادّ في الإنتاج.
أصبح الاقتصاد اللبناني معتمداً بشكل كبير على التحويلات الماليّة من الخارج


هذا الانخفاض في الناتج المحلّي يعني انخفاضاً في الدخل القومي أيضاً، إذ إن هذا الأخير هو عبارة عن الناتج المحلّي زائد صافي تدفّقات رأس المال إلى البلد. ففي حين تبيّن في التصنيف الأخير للبنك الدولي عن عام 2021، أن لبنان أصبح من الدول ذات الدخل المتوسط المنخفض، فإن الانكماش الإضافي في عام 2022 قد يعني تدهوراً أكبر في تصنيف لبنان. بمعنى آخر قد يكون هذا الانكماش في الناتج المحلّي سبباً في أن يصبح البلد مصنّفاً بأنّه ذو دخل منخفض. مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات على المؤشرات الاجتماعيّة، مثل انخفاض في العمر المتوقّع عند الولادة، ونسب التعليم المتدنّية، وغيرهما من المؤشرات السيئة. هذه المؤشرات بدأ البلد يعاني منها أصلاً، خصوصاً مع تدنّي القدرة على الحصول على الخدمات الطبيّة مع ارتفاع كلفتها، ومع ارتفاع كلفة التعليم الذي أصبح صعب المنال للطبقة الفقيرة. وما يُظهر هذا الأمر أيضاً، هو ارتفاع نسبة الأشخاص الذين يعانون من الفقر المتعدد الأبعاد، حيث بلغت نسبتهم أكثر من 80% من عدد المقيمين في البلد.
من الجدير بالذكر أن هناك بعض الشكوك حول دقّة هذا التقدير للناتج المحلّي. فبعد أن تحوّل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد «كاش»، أصبح تقدير الحركة الاقتصادية، سواء من الجهات الرسمية أو الدولية، أصعب ممّا كان عليه قبل الأزمة.