ثمة مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التي صدرت أخيراً ويصحّ أن يكون عنوانها: ركود متواصل وعميق وممتدّ. هذه العبارة وردت في تحليل أعدّه فريق البنك الدولي لمؤشرات لبنان الاقتصادية لعام 2022، وهذا ما يحصل فعلياً منذ 2019 لغاية اليوم. إذ إن الأرقام الظاهرة ليست سوى نتيجة تلقائية للاقتصاد المتروك في السقوط الحرّ. وهذا يحصل على يد الزمرة الحاكمة التي استطاعت النهوض مجدداً، واستكمال مسيرة الحكم بتوحّش أكثر. لا بل استكملت صراعاتها الداخلية لتبقي نفسها حيادية تجاه قضايا المجتمع الجوهرية.

المؤشرات التي أصدرها البنك الدولي تقول بشكل واضح أن حجم الاقتصاد ينكمش بشدّة وبشكل مستمر منذ عام 2019 لغاية اليوم. كان حجم الاقتصاد يبلغ 55.2 مليار دولار عام 2018 ثم يقدّر أن يصبح في نهاية عام 2022 نحو 14.1 مليار دولار. وكانت حصّة الفرد الواحد من كل المقيمين تبلغ 8 آلاف دولار، إنما عام 2022 تراجعت هذه الحصّة إلى 2092 دولاراً سنوياً بخسارة تبلغ 5955 دولاراً منها 1171 دولاراً في السنة الجارية وحدها.


ورغم أن الدين العام وفق تقييمات مبنية على سعر صرف الدولار تقلّص من 88.9 مليار دولار في عام 2018 إلى 38.5 مليار دولار في عام 2022، إلا أن عبء الدين ازداد على الاقتصاد بكل مكوّناته. نسبة الدين إلى الناتج كانت تبلغ 171.1% عام 2018 لكنها أصبحت اليوم 272%. واحتسب الدين العام (بين ليرة ودولار) على أساس معدل أعدّه البنك الدولي لسعر الصرف الدولار يجمع بين مكوّنات سعر الصرف المعمول به في القطاع العام، وبين سعر الصرف المعمول به في السوق، والأسعار الأخرى التي اعتمدت لاحقاً. كان المعدل 3688 ليرة لكل دولار عام 2020، ثم ارتفع إلى 11843 ليرة لكل دولار في 2021، ويسجّل في 2022 بنحو 38 ألف ليرة لكل دولار.
وتظهر المؤشرات أن نسبة الواردات السلعية من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفعت من 35% في 2018 إلى 80.8% في 2022. وهذا ينطوي على دلالة مهمّة، إذ إن كل التضخّم في الأسعار وانفلات سعر صرف الدولار لم يكبح الطلب على استيراد السلع كثيراً. فالاستيراد تدنّى إلى النصف وهو يتهاوى بين حدود متقاربة بلغت في أدناها 10.6 مليار دولار عام 2020 ثم ارتفعت إلى 12.7 مليار دولار عام 2021، وهي اليوم تبلغ 11.5 مليار دولار. وهذا يعني أمرين: هناك تكيّفاً واسعاً في الطلب الاستهلاكي ناجم عن الدعم المؤقت والظرفي الذي مارسه مصرف لبنان لسعر الليرة عام 2022. والثاني هو أنه في هذه المرحلة لم يعد ممكناً الاستغناء أكثر من عن السلع التي يحتاجها المقيمون في لبنان، ولا سيما أن غالبية السلع المستوردة هي مشتقات نفطية أبرزها مازوت وبنزين، وهما مادتان أساسيتان من أجل إنتاج الطاقة بواسطة مولدات الأحياء، والانتقال إلى العمل، ثم هناك المواد الأساسية الأخرى مثل الأدوية التي يتم تقنينها وسلّة من سلع الأغذية (لحوم وخضر وفاكهة...). وبالتالي فإن ما يمكن الاستغناء عنه لم يعد كثيراً، وبالتالي فإن كبح الاستيراد أكثر من خلال رفع أسعار السلع، سواء عبر آلية التضخم التي تتغذى على سعر الصرف، أو عبر آليات الرسوم والضرائب، ستؤدي إلى مزيد من الفقر وتدنّ في نوعية الحياة.
هذه هي كلفة مواصلة الأزمة بلا تدخّل فعلي. إذ يتم استهلاك موارد لبنان عبر إجراءات نقدية يمارسها مصرف لبنان بلا أي مراقبة أو محاسبة أو مساءلة، بل بتشجيع من باقي السلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية. فقد بلغ صافي التحويلات من المغتربين نحو 3.7 مليار دولار، لكن عجز الميزان الجاري ما زال يسجّل 1.8 مليار دولار، أي أن مصرف لبنان يعيد تدوير صافي التحويلات ويواصل إنفاق احتياطاته من دون أن يتمكن من تصفير عجز الحساب الجاري الذي يسجل فيه صافي العمليات المالية بين الخارج والداخل. أما نتيجة «اللاشيء»، أي استمرار السقوط الحرّ من دون تدخّل فيعددها البنك الدولي على النحو الآتي:
- لبنان لن يكون قادراً على الوصول إلى الأسواق الدولية.
- قيود غير نظامية ستبقى قائمة وستمنع المودعين من الولوج إلى حساباتهم.
- ستبقى التعدّدية في أسعار الصرف.
- تسارع التضخّم سيستمر بسبب انخفاض قيمة العملة، وستكون هناك دوامة من التضخّم المحفّز بضخّ النقد.
- الركود متواصل وعميق وممتدّ، واقتصاد لبنان لم يلامس قاع الأزمة بعد.