يُتوقّع أن ترتفع كلفة الإنتاج الزراعي في لبنان بسبب ارتفاع كلفة الأسمدة عالمياً، إذ إن مؤشّر البنك الدولي لأسعار الأسمدة سجّل ارتفاعاً بنسبة 15% مقارنة مع الأسعار في مطلع السنة الجارية، فيما تضاعفت الأسعار أكثر من ثلاث مرات خلال عامين. هذا الأمر سيضغط أكثر على القطاع الزراعي في لبنان المهمل منذ عقود. فمنذ نهاية التسعينيات لم يكن هذا القطاع يمثّل أولوية للطبقة الحاكمة، فلم يُخصص له تمويل، ولم تُرسم له سياسات ليسجّل قيماً مضافة في الاقتصاد، وأُهملت الأراضي الزراعية لمصلحة الأراضي الإنشائية، وتركت القوّة العاملة في القطاع للموت البطيء، ثم جاءت الأزمة لتضع أثقالاً إضافية على القطاع والعاملين فيه.



عندما فرضت أميركا وأوروبا عقوبات اقتصادية على روسيا، لم تنتبه إلى أن الدولة المعاقبة هي أكبر منتج للقمح حول العالم، وأكبر منتج للأسمدة الزراعية، وأكبر منتج للغاز... وجاءت هذه الخطوة بعد معاناة لأكثر من سنتين في مسيرة التعافي الاقتصادي إثر جائحة كورونا. فبنتيجة كل هذا الوضع كانت أسعار الغذاء ومستلزمات الإنتاج على مسار تضخمي تسارع بفعل سلاسل الإمداد والقيود التجارية والأولويات الدولية والتضخم الناتج من ضخّ السيولة في مختلف الدول. لكن عندما اندلعت الحرب الروسية - الأوكرانية كانت هناك نتائج مباشرة وسريعة الظهور. فعلى وقع ارتفاع أسعار النفط، أدّت هذه الحرب إلى انخفاض كبير في إنتاج الأمونيا التي تُعدّ عنصراً مهماً في إنتاج الأسمدة المعتمدة على النيتروجين. كذلك ارتفعت أسعار الفحم في الصين، وهو يمثّل مادة أوليّة رئيسية لإنتاج الأمونيا هناك. هكذا بدأت أسعار الأسمدة ترتفع.
لبنان سيتلقّى هذه الارتفاعات في كلفة الأسمدة من جانبين؛ ارتفاع في أسعار المواد الغذائية المستوردة، وارتفاع محلي في كلفة الإنتاج. ويأتي ذلك وسط معاناة تاريخية لقطاع الزراعة في لبنان. فهو لم يكن قطاعاً محبّذاً للنموذج الاقتصادي القائم في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية في مطلع التسعينيات. وبالإضافة إلى الضربات المتكرّرة على مدى كل هذه العقود، فإنه أيضاً تلقّى ضربتين؛ الإفلاس التاريخي للبنان، وجائحة كورونا. هذان العاملان، قضيا على كل أمل بتعزيز الإنتاج الزراعي المحلّي. فمع ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة، ورفع الدعم عن المُدخلات الأساسيّة في عملية الإنتاج الزراعية، من محروقات وأسمدة، أصبح الإنتاج الزراعي باهظ الكلفة. وإذا أضيفت العوامل الخارجية، فإن الكلفة ستصبح هائلة. فالأسمدة هي أحد أهم مُدخلات الإنتاج الزراعي لأنها تسهم في تحفيز إنتاجيّة الأرض والنبات. وقد أُدرجت الأسمدة في بيانات وزارة الاقتصاد للوائح الدعم على مدى أشهر بين عامي 2020 و2021، إلا أنه رُفع الدعم لاحقاً ليصبح استيراد الأسمدة مكلفاً كثيراً بالنسبة إلى المزارعين. لذا، أصبحت كلفة المحروقات المستعملة للري، وكلفة الأسمدة، ذات حصّة وازنة جداً في كلفة الإنتاج الزراعي. باقي الأكلاف صارت صغيرة جداً مثل كلفة العمالة الزراعية التي كانت على سبيل المثال 20 دولاراً يومياً، وأصبحت اليوم 3.5 دولارات كحدّ أقصى. إيجار الأرض، أو ضمانها، انخفض بالدولار أيضاً، لكن كلفة الأسمدة وحدها ارتفعت. كانت كلفة استيراد طن الأسمدة تُسجّل في الجمارك اللبنانية بنحو 450 دولاراً في عام 2012، ثم انخفضت بمرور الوقت إلى 395 دولاراً في عام 2017، لكنها بلغت في عام 2021، أي قبل الحرب الروسية - الأوكرانية نحو 510 دولارات.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

هذا الارتفاع في الكلفة انعكس على الممارسات الزراعية. فبحسب تقرير «الاستراتيجيّة الزراعية (2020-2025)» الذي أعدّته وزارة الزراعة في تموز 2020، كان لبنان يُسجّل أحد أعلى معدلات استخدام الأسمدة في الهكتار الزراعي الواحد. ويعود ذلك إلى أن معظم الاستثمارات الزراعية في لبنان هي قصيرة الأمد، أي يستأجر المزارع الأرض لمدّة سنة أو سنتين، ما يستوجب منها زيادة استخدام الأسمدة على حساب الاستصلاح من أجل تحسين مردود الاستثمار. والأسمدة هي المفتاح لتحسين الإنتاجيّة. لذا، بحسب الوزارة، فإن 39% من الأراضي اللبنانية معرّضة بشكل كبير إلى تدهور صلاحيتها للزراعة. والمشكلة لا تقتصر فقط على كميّة الأسمدة المستخدمة، بل على نوعيّة الأسمدة المحرّمة دولياً التي يتم استخدامها في القطاع. ومع بداية الأزمة انخفض استيراد الأسمدة في لبنان بشكل ملحوظ، لكن بسبب انعدام التنظيم والرقابة والإرشاد في استخدام الأسمدة، فإن انخفاض قيمة الواردات لا يبشّر بالخير، بل ربما مؤشر إلى استيراد أسمدة سيئة السمعة وتترك ترسبات كبيرة في المنتجات الغذائية ولا سيما أن ارتفاع سعر صرف الدولار يُحفّز المزارعين على البحث عن أنواع الأسمدة الأقل كلفة، ولا مدى فعّالية طريقة الاستخدام، أو بات الاستيراد محصوراً باحتكارات أشخاص يملكون المساحات الزراعية الأكبر، وهذا مؤشّر سلبي أيضاً إلى مدى الانحدار المتاح لهؤلاء في استخدام نوعية سيئة من الأسمدة.
وحلقة الأسمدة هي واحدة من حلقات عدّة تهيمن على الزراعة في لبنان. فالتمويل لم يكن متاحاً إلا لفئة محدودة من المزارعين. وحتى هذه الفئة لم تعد تجد في الزراعة ملاذاً يتيح تحقيق الأرباح، أو الاستمرارية. بين الفصل الثالث من عام 2019 والفصل الأوّل من عام 2020، انخفضت الديون إلى القطاع الزراعي من 1.2 تريليون ليرة إلى 788 مليار ليرة. بمعنى آخر لم يتمكّن العاملون في هذا القطاع من سداد أكثر من 36.5% من ديونهم خلال الأزمة (وهي بالمناسبة أصبحت ديوناً رخيصة يتم سدادها بالليرة اللبنانية أو على سعر صرف للدولار يبلغ أقل من 5 آلاف ليرة). لكن، مقارنة بالقطاعات الأخرى ارتفعت حصّة ديون القطاع الزراعي من إجمالي الديون، من 1.26% إلى 1.58% في الفترة نفسها. ما يعني أنه مقارنة بالقطاعات الأخرى لم يستطع هذا القطاع أن يسدّد ديونه بنفس النسق. بل يشير الأمر إلى الصعوبات التي عانى منها القطاع على مدى سنوات الأزمة، لجهة ضعف المردودية على الاستثمار الزراعي، وانعدام الإرشاد، وإحجام المصارف عن تمويل الاستثمار في القطاع بذريعة المخاطر المرتفعة، ورفض الدولة ضمان المخاطر الزراعية عبر مؤسسات تنشأ لهذه الغاية حصراً... ثمة الكثير مما يمكن قراءته في أرقام التمويل الزراعي، لكنّ أبرز العناصر هي تلك المتعلقة بكلفة الإنتاج التي كانت مرتفعة أيام كان سعر الصرف مدعوماً. يومها كانت الأسمدة الزراعية تمثّل حصّة مهمّة من كلفة الإنتاج رغم أنها تُستورد بسعر صرف مدعوم، لكنّ اليوم أصبحت حصّة الأسمدة أكبر بكثير مع انفلات سعر الصرف، وسط غياب التمويل المصرفي بشكل كامل. لذا، ستكون الزراعة ضحية لعقود من الفساد والإهمال يضاف فوقها ارتفاع الأسعار الخارجية.