كان يفترض أن يركّز لبنان على زيادة الاستثمارات في إدارة المياه الجوفية والسطحية ليكون قادراً على تغطية العجز المائي وتلبية حاجات استهلاك الأسر وقطاعَي الزراعة والصناعة. قبل الأزمة، كانت 80% من الأسر في لبنان تعاني من نقص أسبوعي في المياه صيفاً، و50% من الأسر تعاني من النقص الأسبوعي شتاءً. أما اليوم، فقد ازداد النقص حدّة في الكمية والوتيرة بسبب مفاعيل الانهيار النقدي والمالي والمصرفي على ميزانيات مؤسسات المياه الأربع في لبنان (مؤسسة مياه لبنان الشمالي، مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان، مؤسسة مياه البقاع). وبحسب أرقام مصدرها وزارة الطاقة، فقد انخفضت إمدادات المياه الأسبوعية من هذه المؤسّسات بمعدل 73%. وكان أكبر الانخفاضات في البقاع بنسبة 83% يليها في بيروت وجبل لبنان بنسبة 75%، وفي الشمال بنسبة 71% ثم في الجنوب بنسبة 64%. لا داعي لتفسير انعكاس هذا الأمر على انقطاع المياه في المدن والقرى، إنما سببه المستجدّ هو كلفة تشغيل مولدات الضخّ. ثمة فجوة مالية في المؤسسات الأربع بقيمة 105 ملايين دولار، أي ما يعادل 3100 مليار ليرة من أجل إعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً.



وهذا الرقم وحده يمثّل 86% من مجموع الكلفة التشغيلية في المؤسسات الأربع، و هو يعادل 62 ضعفاً الاعتمادات الملحوظة لموازنة الطاقة والمياه، ويمثّل نحو 6% من مجمل اعتمادات مشروع موازنة 2022 البالغة 49416 مليار ليرة. وهذا المبلغ يأتي رغم رفع تعرفة المياه السنوية لعام 2022 من 320 ألف ليرة إلى 970 ألف ليرة، إلا أن الإيرادات المتوقعة من هذه التعرفة ما زالت بعيدة جداً عن الكلفة بسبب ارتفاع كلفة التغذية بالتيار الكهربائي، إذ يترتب على المؤسسات الأربع أن تتكبّد 97 مليون دولار إضافية أو ما يعادل 45 سنتاً مقابل كل كيلوات/ ساعة، من أجل العودة إلى معدل تغذية يبلغ خمس ساعات يومياً، أي إلى أقلّ من المعدلات السابقة للأزمة. وهذا يعني زيادة بقيمة 4.5 مليون ليرة سنوياً على نحو 700 ألف مشترك.
في ظل هذا الوضع، فإن ما كان يفترض القيام به من أجل إعادة توزيع الموارد المائية المتاحة حالياً على كل المقيمين بفعالية وكفاءة، لم يعد ممكناً، بل يكاد يصبح مستحيلاً. ففي السنوات الماضية كان المقيمون في لبنان يغطّون النقص في إمدادات المياه من المؤسسات الأربع، بواسطة القطاع غير النظامي، أي الخزانات المتجوّلة. فبحسب أرقام وزارة الطاقة والمياه، كانت نسبة التسرّب في شبكات المياه (التسرّب بسبب عدم الكفاءة والترهل والتعديات) تبلغ 48%، أي أن الهدر يفوق 200 مليون متر مكعب، إلى جانب هدر من نوع مختلف يكمن في ترك أكثر من مليار متر مكعب من المياه السطحية الجارية تصبّ في البحر بلا استثمار. ولكن الهدر أصبح أكثر تعقيداً، عندما بدأت الخطط المقترحة لزيادة الموارد المائية المتاحة تتحوّل إلى صفقات بخلفيات زبائنية وبيئية، إذ أدّى الأمر إلى تعطيل متعمّد للاستثمار في هذا القطاع والذي لم يكن أصلاً أولوية لدى الحكومات المتعاقبة، إلا أنه تعزّز هذا الاتجاه بفعل نقص الموارد المالية اعتباراً من عام 2011 لغاية نهاية عام 2019.
في ظل هذه المعطيات، تشير أرقام وزارة الطاقة والمياه إلى أن العجز المائي يبلغ 690 مليون متر مكعب في فترة الشحائح (من تموز لغاية تشرين الأول). إذ كان الطلب على استهلاك المياه في هذه الفترة يبلغ 985 مليون متر مكعب، فيما الموارد المتوافرة لا تزيد عن 295 مليون متر مكعب (يتم تغطية الجزء الأكبر من العجز عبر المياه الجوفية التي باتت مستنزفة عبر أكثر من «20 ألف بئر جوفية بشكل غير قانوني في منطقة بيروت الكبرى وجبل لبنان حيث يعيش ويعمل أكثر من نصف سكان لبنان في هذه المنطقة ويتحملون فيضانات الشتاء المدمرة، والمياه الرديئة أو باهظة التكلفة» وفق ما ورد في تقرير للبنك الدولي). والتقديرات تشير إلى أن الطلب الاستهلاكي في الفترة المذكورة، سيزداد في عام 2040 إلى 1955 مليون متر مكعب ما سيزيد العجز إلى 1660 مليون متر مكعب. وهذه الزيادة في الطلب موزّعة على ثلاثة قطاعات: الطلب على استهلاك الأسر سيرتفع من 500 مليون متر مكعب سنوياً إلى 1100 مليون متر مكعب سنوياً، أي بنحو 2.2 مرات وذلك على اعتبار أن عدد السكان ازداد بشكل طبيعي (وهذه الحسابات لم تأخذ في الاعتبار النموّ السكاني الهائل بسبب النازحين السوريين). الطلب على ري المساحات الزراعية سيبلغ 1900 مليون متر مكعب مقارنة مع 900 مليون متر مكعب حالياً بسبب زيادة المساحات الزراعية من 110 آلاف هكتار إلى 280 ألف هكتار. أما الطلب الصناعي على المياه فسيزداد من 150 مليون متر مكعب حالياً إلى 400 مليون متر مكعب.
كل هذه الأرقام احتُسبت في فترة ما قبل الأزمة، وما قبل النزوح السوري الكثيف إلى لبنان. لكن هذا الأمر لا يغيّر في النتيجة: ثمة أزمة مشتقة نسبياً من أزمة الكهرباء، إنما هي أكثر فتكاً لأنها مرتبطة بصحّة المقيمين، إذ بدأنا بالفعل نشهد حالات صحية ناتجة من تلوّث المياه كما يحصل اليوم في طرابلس، وقبلها في الكفير، من إصابات بالتهاب الكبد الفيروسي (أ)، وبمرض الصفيرة... وهو أمر سيتفاقم مستقبلاً، فضلاً عن تدنّي مساحات الزراعات المرويّة، والتلوّث الناتج من الاستخدام الصناعي المكثّف للمياه.