النظام الاقتصادي العالمي لم يعد كما نعرفه منذ السبعينيات. ثمّة ما تغيّر فيه. طرأت عليه تحوّلات دفعت الاقتصادات الكبرى نحو استراتيجيات الانغلاق. حصل ذلك في أميركا في سياق حربها مع الصين واستخدامها العقوبات الاقتصادية كأداة عن بُعد، لتأديب كل من لا ينصاع للرغبات الأميركية. وهي أداة تتيح ضرب الخصم وتفسح المجال للانكفاء نحو الداخل في الوقت نفسه. وإلى جانب استمرار استعمال هذه الأداة ضدّ روسيا في سياق الدفاع المستميت عن مصالح الغرب في أوكرانيا، استمرّت ظاهرة الانغلاق وإعادة مصانع الشركات الكبرى إلى البلدان الأمّ. أمضت هذه المصانع عقوداً في دول شرق آسيا واستفادت من العمالة الرخيصة الثمن لتحقيق أرباح مجزية للرساميل الغربية. لكنّ تقدّم الصين أعاد تشكيل خطر انتقال التكنولوجيا الغربية إليها مسرّعاً خطوات إعادة توطين المصانع.



لم يكن ظهور الشركات العالمية، أو ما يُسمى الشركات المتعدّدة الجنسيات التي ربطت الأسواق بعضها ببعض، إلا جزءاً مما سمّي «العولمة». ضمن هذا المفهوم، استغلّت هذه الشركات الموارد «الرخيصة» في الدول الفقيرة للحصول على إنتاج بكلفة أقل. جاء ذلك بعد سقوط اتفاق «بريتون وودز» في عام 1971، إذ ظهر نظام مالي عالمي جديد ساهم في توسيع سيطرة الدولار عالمياً بشكل أكبر، وربط جميع الأسواق به بشكل يعكس حكم الواقع. ومن تلك الخطوات، التطوّر التكنولوجي الذي شهده العالم منذ ذلك الحين.
من أهم العوامل التي سهّلت نشوء العولمة كانت السياسات النيوليبرالية، التي دفعت نحو حرية حركة رأس المال. بمعنى تدمير العوائق القانونية التي تقف في وجه دخول رؤوس الأموال إلى البلاد وخروجها منها بشكل حرّ. ومن فوائد حرية حركة رأس المال على العولمة أنها سهلت الاستثمار الأجنبي في مختلف الدول، وبالتالي سهّلت قيام الشركات الكبيرة باستغلال موارد البلدان الفقيرة، بهدف تقليص كلفة الإنتاج وزيادة أرباح رأس المال. والموارد المُستغلّة تشمل الموارد الطبيعيّة، مثل المعادن والنفط، والموارد البشرية. كلّها تسمّى استثمارات أجنبية مباشرة. وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي، هي أحد أهم المؤشرات على العولمة الاقتصادية، إذ إن انتشار سياسة الاستثمار في الخارج أتى عندما قرّرت الدول الرأسمالية الكبرى، أي دول أوروبا وأميركا، نقل مصانعها من دولها الأساسية إلى دول الشرق الآسيوية. أولاً، لأن الإنتاج في هذه الدول الفقيرة هو أقل كلفة بسبب انخفاض كلفة اليد العاملة واستغلال المواد الأوليّة هناك. وثانياً، بسبب الخطط البيئية التي وُضعت في البلدان المتقدّمة بهدف خفض الانبعاثات المضرّة بالبيئة، ما عمل كدافع إضافي لنقل عملية الإنتاج.
لكن في مقابل الربح الاقتصادي الذي جنته الشركات والدول المتقدّمة من عملية النقل هذه، كان هناك ثمن استراتيجي عليها أن تدفعه، فمن خلال نقل الإنتاج إلى دول شرق آسيا، اكتسبت هذه الدول، مع الوقت، المعرفة اللازمة للإنتاج، وأصبحت قادرة على إنتاج التكنولوجيا والسلع بشكل مستقلّ. بالطبع، لم يصل مستوى التقدّم التكنولوجي في هذه الدول إلى مستوى إنتاج الدول المتقدّمة، لكنّه ساهم في صعود قوى اقتصادية مواجهة للدول المتقدمة. فعلى سبيل المثال، بعد عقود من نقل مصانع الشركات الأميركية والأوروبية إلى الصين، تحوّلت الصين في العقد الأخير إلى قوة اقتصادية كبيرة، ما أدّى إلى ظهورها كمنافس جدّي في مجال التكنولوجيا والتطوّر.
في السنوات الأخيرة تنبّهت الدول المتقدّمة، وأولاها أميركا، إلى الخطر الاستراتيجي الذي نشأ من طمعها الاقتصادي، حيث سمحت لدول ليست تحت سيطرتها بالصعود والتطوّر. لذلك مع بداية العقد الماضي (2010) بدأت موجة من إعادة المصانع من هذه الدول إلى الدول المتقدّمة، في ظاهرة تسمّى إعادة توطين المصانع أو الـ«Reshoring». وهذه العملية تسارعت في السنوات الأخيرة. يظهر هذا الأمر من خلال مؤشرات مثل عدد الوظائف التي تخلقها عملية إعادة التوطين، ففي السنوات الأخيرة، كان هذا المؤشّر في ازدياد، حيث شهد العالم الغربي ارتفاعاً كبيراً في الوظائف التي تخلقها عملية إعادة التوطين. لكن الجدير بالذكر هو أنه في عام 2021، تخطّى عدد الوظائف التي خلقتها عملية إعادة التوطين عدد الوظائف التي خلقتها الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ولهذا الأمر دلالة مهمّة على اتجاه دول العالم نحو الانغلاق على نفسها، في مسار قد يبدو انحدارياً بالنسبة إلى ظاهرة العولمة الاقتصادية.