حتى الآن، هناك إجماع بين الإحصائيين والاقتصاديّين على ضرورة تعديل أوزان سلّة الاستهلاك التي يُحسب على أساسها تضخّم الأسعار، من أجل التوصّل إلى تضخّم الأسعار الفعلي. ورغم أن إدارة الإحصاء المركزي، المسؤولة الأولى والوحيدة عن هذا التصحيح في بنية المؤشرات التي يحتاجها الاقتصاد لتفسير ما يحصل ونتائجه واقتراح آليات التصحيح الملائمة، إلا أنه لم يجر أي تصحيح بعد في بنية هذا المؤشّر. ولغاية الآن، لم تبرز سوى محاولة واحدة نفّذها قسم الدراسات في «بلوم إنفست بنك»، إلا أنه لا يمكن تبنّي هذه المحاولة لأنها لا تستند إلى أي مسح إحصائي للأسر كما يفترض، بل هي قائمة على دراسة نظرية أُجريت عام 2006 على يد الاقتصاديّين في معهد MIT إستر دوفلو، وأبهيجيت بانيرجي، اللذين شاركا في تأسيس مختبر لمكافحة الفقر عام 2003.

ينطلق التقرير الذي أعدّه قسم الدراسات في «بلوم إنفست بنك» بإشراف الدكتور علي بلبل، من أن فترة التضخّم التي سيتم احتسابها تبدأ من تشرين الأول 2019 لغاية نيسان 2022. أي أنه ألغى كل التضخّم السابق منذ آخر تصحيح للأجور قبل الأزمة عام 2012، وركّز فقط على التضخّم من النقطة التي اعتمدتها المصارف لتكون نقطة الصفر، أو حصول الانهيار. وهذه مشكلة في أي بناء يتعلق بدراسة الأجور. وبحسب أرقام الإحصاء المركزي، فإنّ الرقم القياسي للأسعار، كان يسجّل في تشرين الأول 110.34، ثم ارتفع في نهاية نيسان إلى 1092.21، أي أن التضخّم الحاصل في هذه الفترة يبلغ 889.9%، أي بمعدل شهري يبلغ 29.7%.


لكن الأوزان المتوافرة في سلّة الاستهلاك لم تعد معبّرة عن الواقع الفعلي. فاستهلاك الأسرة الوسطي لم يعد يعبّر عن استهلاك الأسر الفقيرة. إذ إن هؤلاء ينفقون أكثر من 50% من مداخيلهم على الغذاء، بحسب الدراسة التي أعدّها دوفلو وبانيرجي، علماً بأن وزن الغذاء في سلّة استهلاك الأسرة يبلغ حالياً بحسب أرقام الإحصاء المركزي نحو 20.6%. وهذا التعديل مطلوب، وفق ما يقول التقرير لأن «إسكوا» قالت إن خطّ الفقر الذي كان يبلغ 2.15 دولار يومياً في عام 2017 (محسوب على أساس سعر صرف يبلغ 1507.5 ليرة وسطياً)، إنما في عام 2022 أصبح هذا الخطّ يبلغ 2.6 دولار يومياً، أو ما يعادل 78 دولار شهرياً (بحسب سعر صرف يبلغ 26800 ليرة)، أي يساوي الحدّ الأدنى للأجور بعد التعديل الذي أُقرّ رسمياً (هناك تعديل ثانٍ بقيمة 600 ألف ليرة إضافية لم يقرّ رسمياً بعد).
ويُشير التقرير إلى أن التعديل في الأوزان ضروري في الاتجاه المذكور في دراسة دوفلو وبانيرجي. وأن ضرورة الأمر مبنية على فكرة التمييز بين شرائح المستهلكين، ولا سيما ذوي القدرات الأعلى، مع ذوي القدرات الأدنى. فالفجوة بينهما باتت تكبر بسبب الأزمة، علماً بأن الفقراء صارت نسبتهم هي الأكبر لجهة عدد السكان.
لذا، جرى تعديل وزن الغذاء في نفقات استهلاك الأسر لتصبح 50% بدلاً من 20.6%. أما باقي بنود الاستهلاك، فأجريت تعديلات عليها من شأنها إلغاء أربعة بنود من سلّة الاستهلاك مثل المطاعم، الأثاث المنزلي، الاستجمام والتسلية، والمتفرقات. وجرى توزيع باقي الـ50% على سبعة بنود أخرى من دون أن تطرأ على هذه البنود أي تعديلات جذرية.
في الواقع، المسألة ملحّة وضرورية. إذ إن مثل هذه التعديلات على سلّة استهلاك الأسر والتوزيع لا يجب أن تكون متروكة على عاتق محاسبين أو مصرفيين ليس لديهم أدنى معرفة إحصائية أو تقنية بأمور كهذه. صحيح أنّ الأوزان لم تعد معبّرة عن الواقع، إنما لا يمكن تعديلها بهذا الشكل، وإن كان تعديلاً كهذا يمكن اعتباره مؤشراً على اتجاه ما من دون الأخذ بتفاصيله وبدقّته. فالإحصاء المركزي، عليه أن يعدّ استمارة مصمّمة لهذه الغاية ويقوم بمسح للأسر ويسألهم عن أحوالهم وعن نفقاتهم وتوزيعها... ثم يصدر نتائج. الأمر ليس ببساطة الاستناد إلى دراسة أجريت في «معمل للفقر».
فالمعمل المذكور للفقر، يقيس أنماط حياة الفقراء، ولكن هذا النمط لا يتضمن وجود انهيار كبير له مفاعيل تضخمية هائلة وانكماش كبير في الاقتصاد. يعيش لبنان في حالة ركود تضخمي قاس جداً منذ أكثر من سنتين، وفي السنة الأخيرة، اختبر اللبنانيون مسألة رفع الدعم عن بعض السلع التي كانت مدعومة بواسطة سياسات نقدية تثبت سعر صرف هذه السلع تجاه الدولار بـ1520 ليرة بينما باتت مسعرة اليوم بأكثر من 28000 ليرة لكل دولار. لذا، ليس منطقياً، مثلاً أن يتم تعديل أوزان استهلاك كلفة المسكن التي تشمل «إيجار، ماء، غاز، كهرباء، ومحروقات أخرى»، من 28.4% إلى 21.2%. في الواقع، الرقم غير منطقي أبداً، إذ إن كلفة الكهرباء وحدها باتت تستهلك أكثر من 21.2% من نفقات الأسرة. كلفة صيانة المنزل باتت كبيرة وهي في بعض الأحيان ضرورية، وكلفة النقل أصبحت أكبر بينما هي ضرورية...
في النهاية تخلص عملية التعديل التي أجراها «بلوم إنفست بنك» إلى أن التضخم خلال 31 شهراً لا يبلغ 889.9% بل 2419.9%. لا أحد يمكنه تأكيد هذا الرقم، إنما يمكن اعتباره مؤشّراً فقط على تدهور القوّة الشرائية للأجور التي بات تصحيحها ضرورة قصوى لإعادة تصحيح الفجوة في الدخل والثروة التي راكمتها السياسات النقدية طوال عقود لحساب المصارف، فهيمن نشاط التجارة المالية على سائر النشاطات، وجرى تثبيت الأجور لفترة طويلة من عام 1997 لغاية عام 2008 (تصحيح مقطوع وجزئي)، ثم تصحيح الحدّ الأدنى في عام 2012 بعد معركة شرسة خاضها وزير العمل شربل نحاس. الأجور ثبتت على مستوياتها، وحصّتها من الناتج كانت ضمن مسار انحداري وصولاً إلى مستوى الانهيار اليوم. لذا، يعدّ احتساب التضخّم أداة مهمّة لمستقبل تصحيح الأجور، وضرورة أن يكون الأمر دقيقاً وعلمياً، تكسبه أهمية مضاعفة من أجل التوصّل إلى نسبة أدنى لتصحيح الأجور يمكن البناء عليها.