لطالما كان اقتصاد لبنان يعتمد على تحويلات المغتربين. هذه التحويلات تمثّل نسبة مهمّة من تدفقات العملة الأجنبية، وهي تمثّل الدخل المتاح للأسر المقيمة في لبنان. وقد أصبحت هذه التحويلات أكثر أهمية بالنسبة إلى لبنان، لأنها باتت تمثّل النسبة الأكبر من مجمل التدفقات الآتية إليه، ولا سيما بعد جفاف تدفق الرساميل سواء تلك التي كانت تأتي مباشرة للاستفادة من الفوائد المصرفية المرتفعة، أو التي تستثمر في أصول محلية أخرى قبل أن تصبح جزءاً من السيولة المصرفية. في المجمل، كانت هذه التحويلات هي إحدى القنوات الأساسية لاستمرارية نموذج لبنان الاقتصادي، لكن نتائجها لم تكن حميدة طوال الوقت، بل كانت سلبية في أحيان كثيرة، إذ إن صافي التحويلات التي يرسلها المغتربون اللبنانيون إلى أسرهم في لبنان، محسوماً منها تحويلات العمّال الأجانب في لبنان الذين يرسلون أموالاً إلى أسرهم في الخارج كان في وقت من الأوقات صفراً. ففي عام 2002، كانت مساهمة صافي التحويلات في الناتج المحلي الإجمالي صفراً، وقد تحوّلت هذه المساهمة إلى سلبية في السنة التالية مسجّلة -1%، إنما أصبحت التحويلات ذات أهمية في السنوات التي تلت 2006. ففي تلك الفترة، ولا سيما بعد حرب تموز، أظهر اللبنانيون المغتربون حسّاً عالياً تجاه الاهتمام بأسرهم في لبنان وبدأت تزيد التدفقات الواردة منهم. وبشكل عام، كانت مفاعيل التدفقات الإجمالية للمغتربين على الاقتصاد اللبناني متدرّجة، إذ كانت تبلغ 13% من الناتج في 2002، ثم ارتفعت في 2021 لتبلغ 22%.



أهمية هذه التدفقات أنها تأتي إلى لبنان بالعملة الأجنبية، أي العملة التي كانت يحتاج إليها مصرف لبنان لتعزيز «الثقة». بهذه العبارة السحرية، كان يوهم العالم كلّه بأن الليرة اللبنانية ثابتة تجاه الدولار بسعر صرف يبلغ 1507.5 ليرات. الثقة، هي الترجمة الفعلية للدولارات الجديدة التي يستقطبها مصرف لبنان إلى ما يسمّى احتياطاته بالعملات الأجنبية. والثقة تتغذّى على التحويلات بشكل أساسي، وتغذّي تدفق الودائع أو الرساميل أيضاً. ومفاعيل هذه التدفقات كلّها، كانت عبارة عن تشوّهات دائمة في الاقتصاد، سواء في أصل الإدمان عليها للاستمرار، أو في أثرها على الاستهلاك في ظل ثبات سعر صرف الليرة الوهمي مقابل الدولار. واليوم، أصبحت التحويلات أكثر حيوية؛ لأنها أولاً، بالعملة الأجنبية التي يحتاج إليها لبنان للاستمرار نظراً الى اعتماده على الاستيراد في سبيل تأمين 85% من حاجات استهلاكه المحلّي، ولأن مدّخرات المقيمين ومداخيلهم وسائر ما يملكونه من أصول تآكلت بفعل الأزمة. لذا، صار الاعتماد كبيراً على هذه التحويلات. لكنها لم تعد تأتي إلى لبنان عبر النظام المصرفي المفلس والذي لا يمكن الوثوق به. تجربة السنوات الماضية تدلّ بوضوح على انعدام الثقة تجاه المصارف، ولولا بعض العمليات التي يفرض تحويلها من الخارج عبر النظام المصرفي، لما دخل إلى لبنان عبره دولار واحد «فريش».
لكن هذه التحويلات باتت تأتي بشكل أساسي عبر المؤسسات المالية التي تعمل بواسطة التحويلات الإلكترونية مثل OMT وسواها. تستحوذ هذه الأخيرة على الحصّة السوقية الأكبر، أي الحصّة الأكبر من التحويلات. أكثر من 1.2 مليار دولار سنوياً تأتي عبر هذه الشركة. لكن حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، وجد طريقة للاستحواذ على هذه الدولارات؛ فقد منح هذه المؤسسات المالية القدرة على شراء الدولار لمصلحته. وبذلك، تمكّن من إعادة توجيه قسم كبير من هذه الدولارات وتدويرها في السوق من أجل التخفيف من الاحتقانات في سعر الصرف التي تخلق تقلبات كبيرة وحادة، أو من أجل التحكم السياسي بسعر الصرف تبعاً للتوجهات التي تناسب شركاء المنظومة. حتى الآن نجح في استعمال التحويلات كأحد المصادر الأساسية، لكنه لم يكن لينجح في الخطة كلّها لولا أنه استعمل سيولته بالعملة الأجنبية إلى جانب شراء الدولارات من السوق. فالمشكلة الأساسية لديه هي أنه فقد القناة الأساسية للعمل في السوق، أي المصارف. استعاد بعضاً من هذه القدرة عبر منصّة صيرفة التي تربطه بالصرافين والمصارف ومؤسسات التحويل بالوسائل الإلكترونية، إلا أنه ليس قادراً على التحكّم من دون العمليات النقدية التي يجريها في السوق والتي تكبّده ضخّ المزيد من السيولة بالليرة في السوق. هو يدفع لمجموعة مختارة من الصرافين الأموال لشراء الدولار بهامش ربح يتراوح بين 10% و15% للدولار الوحد، ما يعني أنه يتكبّد خسائر هائلة قد تلغي الجزء الأكبر من كل المكاسب التي يحققها الاقتصاد بفعل هذه التحويلات. سيظهر ذلك بطريقتين: بطريقة متدرجة إذا قرّرت السلطة الاستمرار بمخطط مصرف لبنان لتذويب الودائع عبر تحويلها إلى الليرة، أو بطريقة سريعة إذا تقرّر شطب الودائع أو الاقتطاع منها، سواء بهيركات مباشر أو عبر فرض الضريبة عليها، إذ إنه كلما زادت الخسائر زادت نسبة الاقتطاع، وبالتالي زادت نسبة التآكل في المدخرات وزاد الاعتماد على التحويلات. الأمر مماثل عندما يتم تحويل الودائع إلى ليرة وضخّها في السوق لأن ذلك يشعل التضخّم ويغذي ارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة.
إذاً، في سياق إدمان لبنان على تحويلات المغتربين، ستصبح صناعة الاغتراب مكلفة، وقد لا تعود بمردود مرتفع. فارتفاع الأسعار المحلية قد يكبح قنوات تصريف هذه الصناعة التي تعتمد على استثمار مكلف في التعليم. وقد لا يكون ممكناً تعويض هذا المصدر للمال من مصادر أخرى، ولا سيما أن الاقتصاد العالمي ليس بخير.