منذ أكثر من سنة ونصف نحن عالقون في مسار لإطفاء الخسائر لم يتسنّ لأحد مناقشة تفاصيله التي فرضها حاكم مصرف لبنان، لأن هذا الأخير مع الزمرة التي يحكم باسمها، عملوا على تحييد المصارف عن نقاش كهذا. هو نقاش في إفلاس المصارف لا أكثر. معالمه تتضح في ضوء مؤشّر أساسي: نسبة التعثّر في القروض المصرفية التي بلغت 33% في نهاية 2020. حالياً تجري تغطية هذه الخسائر بالمال العام الذي تحصل عليه المصارف من فوائد سندات الخزينة ومن فوائد شهادات الإيداع والودائع لدى مصرف لبنان. الميزان يميل لمصلحة المصارف، بينما ثلث القروض بات بحكم المعدوم لم يأت الأسوأ بعد.


في نهاية 2020 ازدادت نسبة الديون المتعثّرة من إجمالي ديون القطاع الخاص لدى المصارف اللبنانية إلى 43%. الحصّة الأكبر من نصيب قطاع الإنشاءات يليه قطاعا الصناعات التحويلية وتجارة التجزئة والجملة وقروض الإسكان. وبحسب استبيان أعدّه البنك الدولي في تقرير المرصد الصادر أخيراً، فإن واحدة من كل خمس شركات أغلقت أبوابها، وأربعة من بين كل خمس شركات صرّحت عن انخفاض كبير في مبيعاتها، و79% من الشركات انخفضت مبيعاتها بمعدل 69% منذ بداية الأزمة المالية، بينما واحد من كل خمس موظفين صرف من العمل، والعدد الأكبر من المؤسسات خفض كتلة الأجور لديه، أو خفض عدد العمال... هذا التراجع الكبير في أداء الشركات اللبنانية، يعكس بشكل واضح تعثّر الأفراد والشركات عن دفع ديونهم للمصارف.
وتشير الإحصاءات الصادرة عن مصرف لبنان إلى أن مجمل قيمة القروض المتعثّرة بلغ 23.3 ألف مليار ليرة في نهاية عام 2020 (15.45 مليار دولار بحسب سعر الصرف المحدّد من مصرف لبنان) وارتفع إلى 23.6 ألف مليار ليرة في آذار 2021. كذلك تقول الإحصاءات، إن المصارف خصّصت مؤونات للخسائر المتوقعة على هذه القروض المتعثّرة بقيمة 14.3 ألف مليار ليرة في نهاية 2020 (9.5 مليارات دولار بحسب سعر الصرف المحدد من مصرف لبنان) وبقيمة 14.6 مليار ليرة في آذار 2021 (9.68 مليارات دولار).
ما تشير إليه الإحصاءات هو أن هذه المخصّصات هي الخسائر المحققة مقارنة بما هو متوقع، أي ذلك الجزء من الدين الذي تعتبره المصارف غير قابل للاسترجاع والذي كان يفترض أن يحسم من حساب الرساميل. فالمؤونات في نهاية 2020 كانت تمثّل 48% من رساميل المصارف، وفي نهاية آذار 2021 كانت تمثّل 57% من الرساميل، لكن المصارف لم تستعمل هذه الرساميل لإطفاء الخسائر بل موّلتها من حساب الأرباح والخسائر الذي تموّله الدولة ومصرف لبنان، أي من المال العام.
لكن لا تحصر خسائر المصارف بالقروض المتعثّرة للشركات والأفراد، بل إن هذه الديون تمثّل نسبة صغيرة قياساً إلى ديون المصارف على الدولة ومصرف لبنان. الفجوة الفادحة موجودة هناك. بحسب البنك الدولي، إن المصارف اللبنانية مكشوفة على ديون الدولة و مصرف لبنان بنحو 70% من أصولها ومن ضمنها 110 مليارات دولار توظيفات في «أدوات» صادرة عن مصرف لبنان، و10 مليارات دولار توظيفات في سندات بالعملات الأجنبية (يوروبوندز)، و11 مليار دولار (وفقاً لسعر الصرف المحدد من مصرف لبنان) هي توظيفات في سندات الدين العام بالليرة اللبنانية. هذه التوظيفات عليها خسائر حدّدها مصرف لبنان بنسبة 45% على سندات اليوروبوندز، و1.89% على توظيفات المصارف بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان. وهذه الخسائر تحتاج إلى تمويل يجب أن يبدأ برساميل المصارف وليس بالأرباح التي يكون مصدرها الأساسي المال العالم والتي يجب أن تستخدم في مجال التعويض على المودعين.
هل يجب أن يدفع المودعون كلفة تهوّر المصارف وحماقتها في توظيف الأموال لدى مصرف لبنان والدولة؟ هل يجب أن يدفع عموم الناس كلفة باهظة من خلال تضخّم الأسعار وطباعة الليرات؟ هذه الأسئلة تقود نحو السؤال الأساسي: من سيغطّي خسائر المصارف؟ الإجابة في معايير صندوق النقد الدولي حتمية: من حساب رأس المال أولاً، وهذا يستوجب عملية إعادة رسملة. وما يقوم به مصرف لبنان في تعاميم إعادة الرسملة بواسطة العقارات، وبواسطة الرساميل المحلية التي تحجزها المصارف لديها، ليس سوى عملية تجميل للمصارف المفلسة التي لن يكون بإمكانها إقراض أي طرف أي فلس طالما ليس لديها أموال جديدة آتية بالدولار تستخدم في عملية تمويل القطاع الخاص والاستثمار العام.




اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام