«(سياسات التسهيل الكمّي) تعمل في الواقع، ولكنّها لا تعمل في النظريّة»

بِن برنانكي، الرئيس السابق لمصرف الاحتياط الفيديرالي

«من الأسهل بكثير أن تخدع شخصاً ما على أن تُقنعه بأنه قد تمّ خداعه»
مارك تواين

أنجل بوليغان ــ المكسيك

في الأشهر الماضية تكرّس، انطلاقاً من المركز الغربي، تحوّلٌ جلل، لا أعرف ما يمكن أن نسمّيه: هزيمة الأورثوذكسية النيوليبرالية، التخلّي عن أيديولوجيا السّوق الحرّة، نهاية العولمة النيوليبرالية... هو مفصلٌ تاريخي بكلّ المعاني، ولا أحد يعرف تماماً ما الذي سيأتي بعده. فلنبدأ من هنا: في المجال السياسي الأميركي، منذ نهاية عهد ريغان ووصولاً إلى السنوات القليلة الماضية، كان لدينا، في المجتمع السياسي الأميركي، ثلاثة خطابات تقريباً، أو تكتلات أيديولوجية أساسية، في ما يتعلّق بالنظرة إلى الاقتصاد ودور الدولة. على اليمين نجد الجمهوريين، سياسيين ومفكّرين ومراكز أبحاث: يريدون حرية اقتصادية ودولة صغيرة، لا تتدخّل في السوق وتتجنّب كلّ إنفاقٍ خارج الضرورات والدفاع (بما في ذلك الإنفاق على الابحاث والتعليم والصحّة، هم يعتبرون أنك يجب أن تترك أقصى ما يمكن من مواردٍ للسوق حتى يتصرّف هو بها، فهو سيكون أفعل في توزيعها من الدولة).

14.1

تريليون دولار هو الإرتفاع في حجم الكتلة النقدية M1 في أميركا منذ بدء طباعة الأموال في آذار 2020، علماً بأن تضخم الأسعار سجّل 4.2% في نيسان وهو أعلى معدل شهري منذ عام 2008


على الجانب الديمقراطي كان هناك، أوّلاً، «النيوليبراليون المعتدلون»، على طريقة كلينتون وأوباما وفريقهما. ليبراليون يريدون «رأسمالية رحيمة» أو شيئاً من هذا القبيل (سنعود في هذا المقال إلى نقاش هذه الخرافة وأختها: «العدالة الاجتماعية»)، واقتصاديّون وسطيّون وكينزيّون جدد (الكينزيون الجدد يلتزمون بالإطار النيوليبرالي إجمالاً، ولكنهم يرون أنّ على الدولة أن تتدخّل في السوق في حالات معيّنة لتثبيته، كمراحل الأزمات وفقدان الثقة، أو حين لا تنتقل المعلومات كما يجب بين أجزاء السوق). منذ التسعينيات، هذا الفريق من الديمقراطيين هو الذي فاز في الانتخابات الحزبية وأوصل إدارات إلى البيت الأبيض؛ واللافت هنا أن توقيع واشنطن لاتفاقات التجارة الحرّة مع الخارج، وسياسات خفض الإنفاق وتقليص العجز، هي أمورٌ لم تحصل مع الجمهوريين «النيوليبراليين»، بل في أيام كلينتون وأوباما، وكان عهد كلٍّ منهما يحضّر لوثبةٍ يمينية من بعده.
ثالثاً وأخيراً، لدينا «يسار الحزب الديمقراطي»، كما رأيناه مؤخراً مع معسكر بيرني ساندرز، وهو يؤيّد إنفاق الدولة في المجالات الاجتماعية، وبعض سياسات إعادة توزيع الدّخل، وقد يعارض اتفاقات التجارة الحرّة إن وجد أنها ستؤذي الوظائف والعمّال في أميركا.
لم يعُد لهذه التقسيمات معنى، اليوم. فالأحداث تجاوزتها ببساطة، تدريجاً منذ الأزمة الاقتصادية عام 2009، وبشكلٍ أصبح فاضحاً في السنوات الأخيرة. الدّولة لا «تنفق» فحسب في الغرب، بل هي اليوم تصنع المال، وتقرّر الأسعار، وتضخّ مبالغ لا يمكن تصديقها في القطاع المالي كلّ يوم. على مستوى السياسة العامّة، لديك «حزمات» جو بايدن: تريليونا دولار تقريباً لمعالجة آثار الكوفيد، ومثلها لتحفيز الاقتصاد من بعده، وفي مشروع الموازنة الذي قدّمه أخيراً، إنفاقٌ للسنوات القادمة يفوق ميزانية دولة الاتحاد السوفياتي في أيامها (وأغلبه سيأتي من الدين). المسألة هنا هي أن ميزانية الدولة هي «مزحة» مقارنة بالمبالغ التي يضخّها المصرف الفيديرالي عبر «التسهيل الكمّي». السنة الماضية، بين آذار والصيف، كان المصرف الفيديرالي «يخلق» نحو 50 مليار دولار يومياً ويرميها في السّوق (تقنياً، ما يفعله المصرف المركزي غالباً هو أنّه يشتري سندات الدّين الحكومية التي تحملها المصارف الخاصّة، ويستبدلها بأموالٍ لم تكن موجودة، بل خلقها البنك الفيديرالي للتوّ، على افتراض أن هذه السيولة ستذهب إلى قروضٍ واستثمارات وسوق الأسهم وما إلى ذلك).
سياسات «التسهيل الكمّي»، بالمناسبة، هي ظاهرة حديثة، انطلقت في اليابان منذ 20 عاماً تقريباً، وإن قال لكم أحدهم إنه يعرف تحديداً ما ستكون نتائجها ومضاعفاتها ومآلاتها فهو يكذب عليكم. ما حصل، في اليابان كما في أميركا، هو أن سياسات «ضخّ المال»، التي كانت تعدّ مؤقتة ونتيجة أزمة استثنائية، أصبحت أمراً يعتمد عليه الاقتصاد ولا يمكن إيقافه (لا أحد يتكلّم اليوم عن إلغاء هذه التريليونات التي خلقتها المصارف المركزية في أميركا والاتحاد الأوروبي، عن دفاترها واسترجاعها من السوق، أقصى الطموح هو خفض مقدار «التسهيل الكمي» ودفقه اليومي لا أكثر). ما أريد الوصول إليه هو أنّه، في عالمٍ يُدار بهذه الطريقة، يصبح الحديث عن أيديولوجيا السوق الحرّة و«السوق الذي ينظّم نفسه بنفسه»، والطلب من الدول الفقيرة أن تتقشّف ولا تتدخّل في الاقتصاد وتلتزم بـ«توافق واشنطن»، مجرّد مزحة.

السلطة والرأسمالية
حين نناقش في فكرة أن «البرجوازية تمسك الدولة» في النظام الرأسمالي، فأنا فكري لا يذهب إلى أمور مثل تمويل الحملات واللوبيات ودور الشركات الخاصّة في السياسة والإعلام، بل إلى حالة مصرف الاحتياط الفيديرالي (المصرف المركزي في أميركا). هو يعمل - تقنياً - كمصرف خاص، غير مسؤول فعلياً أمام أيّ جهة منتخبة، ولا علاقة للدولة والبرلمان بفعل مدرائه بعد أن يتمّ تعيينهم. أغلب المدراء يأتون من القطاع المالي، وفي الفروع الإقليمية للمصرف الفيديرالي، تعيّن المصارف مباشرة ممثليها في مجالس إدارتها. المصرف الفيديرالي، بالمعنى العملي، هو أهمّ من الكونغرس والدولة وكلّ السلطات «الرسمية». هو يحدّد مقدار الفائدة، وهو يتحكّم بالتضخّم والأسعار، وفي السنوات الماضية صار يتدخّل في السوق بقيمة تفوق ميزانية الدولة بكثير. هذا معنى أن «الطبقة البرجوازية هي من يحكم».

في 2009 في أوروبا ظهرت حزمات الإنقاذ التي تبعتها مباشرة سياسات تقشّف أدّت إلى ركودٍ لا يزال مستمرّاً إلى اليوم. بهذا الشكل، تتحوّل الإصلاحات، وإن بدت تقدميّة في الظاهر، إلى شكلٍ من أشكال الحرب الطبقية ضد الفقراء


فلنقارن بالصّين مثلاً، حيث نظام «الحزب الواحد». هل يمكن القول إن مصالح خاصّة هي التي تتحكّم بـ«مصرف الصين الشعبية المركزي» وتديره؟ هناك القطاع المالي مملوكُ أصلاً للدولة، ولا يمكن القول بأن الحزب الشيوعي يمثّل «الطبقة العاملة» بشكلٍ مباشر، حتى ماو كان يرفض هذا التوصيف، ولكنّه على الأقل ليس أداةً للمصارف. في الصّين، يتمّ سوق ملياردير كلّ بضع سنوات، وهو في ثياب السّجن، أمام الكاميرات، قبل أن يتمّ إعدامه (قضايا الفساد المالي هي من الأمور التي توصل إلى الإعدام في الصّين). هذا مشهدٌ لا يمكن تخيّله في أميركا. بل إن الطريف هنا هو أنّه، فيما تدير الدولة في الصين الاقتصاد على المستوى الكلّي (ماكرو)، فإن حريّة الاقتصاد على المستوى الدقيق (مايكرو) قد تكون أكثر اكتمالاً من أميركا بالمعنى النظري للرأسمالية التنافسية. لا مشكلة عند الحزب الشيوعي بأن يفكّك شركة مثل «علي بابا» ويؤدّب الملياردير جاك ما، باعتبار أن القطاع التقني لا يجب أن تحتكره شركات قليلة حصّلت امتيازاً في الماضي. هذا لا يمكن أن يحصل مع «أمازون» في أميركا الرأسمالية لأنّ الرأسماليين يحكمون أميركا، والرأسمالية «الفعلية على الأرض» ليست تنافسيّة ومثاليّة كما يتخيّلها أتباع آدم سميث، بل هي تراكم تاريخي للامتيازات يعتمد على الاحتكار والرّيع.


لو أردنا أن «نستشرق» هنا بعض الشيء، فمن الممكن أن نرجّع الفارق إلى اختلاف النظرة إلى الطبقة التجارية بين الحضارتَين، الغربية والكونفوشيوسية. في الصّين تقليدياً كان النظام الإمبراطوري، بسلالاته المتعاقبة، يعترف بطبقة التجّار وبأهميتها ودورها اللازم، ويفهم أن بعض هؤلاء سيراكم ثروات كبيرة ويغتني. ولكنه في الوقت ذاته كان يركّز على احتقار التاجر وكيانه، وكان يُفهم التاجر باستمرار بأن مكانه هو في أسفل التراتبية الاجتماعية، دون الحكّام والمتعلّمين، وأيضاً دون الفلّاح العادي المنتج، وأنه لا يجب أن يدخل التاجر في السياسة أو يركب الطموح رأسه. وعليه أن يمارس نشاطه تحت رقابة لصيقة من الدّولة، وأن يتمّ عقاب بعضهم بشكلٍ دوريّ وإذلالي حتى يكونوا أمثولة لأترابهم وتذكيراً.
في نصٍّ أخيرٍ له عن السياسة النقدية الأميركية، يقتبس الاقتصادي آدم توز أعمال المفكر البولندي ميكال كاليكي عن الحاكمية الاقتصادية وفكرة «الإصلاح». نظرية كاليكي هي أن السياسات الإصلاحية (كالكينزية) لا تعمل في بلادٍ منقسمة طبقياً. بمعنى أنّه، حين تحلّ الأزمة ويصل النظام إلى نقطة الخطر، يستحضر الحكّام الاقتصاديين الكينزيين، ويطلبون منهم صياغة سياسات إنفاقية للخروج من المأزق، ولكنّهم يفعلون الحدّ الأدنى الضروري لا أكثر. أي أنّهم، ما أن تبدأ الأزمة بالانجلاء، حتى يطلقون سياسات التقشّف التي تؤذي العمّال، لأن هدفهم هو ليس «التوظيف الكامل»، يقول توز، بل الربحية. والربحية في الرأسمالية تنخفض حين يكون التشغيل شاملاً وسوق العمل ليس فيه «جيشٌ من العاطلين» يخفض الأجور (هذه الدورة ظهرت بشكلٍ جلي في الحالة الأوروبية: حزمات إنقاذ خلال الأزمة عام 2009 تبعتها مباشرة سياسات تقشّف أدّت إلى ركودٍ في الاقتصاد لا يزال مستمرّاً إلى اليوم). بهذا الشكل، تتحوّل الإصلاحات، وإن بدت تقدميّة في الظاهر، إلى شكلٍ من أشكال الحرب الطبقية ضد الفقراء.

29.8

ألف مليار ليرة هو الإرتفاع في حجم الكتلة النقدية في التداول في لبنان منذ تشرين الأول 2019 لغاية نيسان الماضي. وقد سجّل معدل التضخم نسبة 84.3% في 2020 ويتوقع البنك الدولي أن يسجل نسبة 100% في 2021


منذ سنوات قليلة، نشر باحثان أميركيان في العلوم السياسية، مايكل البرتوس وفيكتور مينالدو، كتاباً عن «الأصول النخبوية للديمقراطية»، يتفحّص الأنظمة الديمقراطية، وتلك التي تحوّلت إلى الديمقراطية، في القرن الماضي. خلاصة الكتاب أن فكرة الديمقراطية الليبرالية عن نفسها «من الشعب ولأجل الشعب» هي أسطورة، وأن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً: الديمقراطيات إجمالاً هي أنظمة تؤسّسها النّخب وسبب وجودها هو خدمة هذه النخب. بل إنّ أغلب الديمقراطيات اليوم قد تمّ «تصميمها» من قِبل الحاكمين والمهيمنين في النظام القديم - السلطوي - الذي سبقها؛ وهم استخدموا الإصلاحات «الديمقراطية» كآلية لنقل سلطتهم ونفوذهم إلى العهد الجديد (الطريف هنا هو أنّك إن قلت هذا الكلام كرأيٍ لك سيُقال إنك عدوّ الشّعوب، ولكن حين تقدّمه عبر باحثين غربيين، فهو يبدو «معقولاً» ومقبولاً وعلميّاً - ولاحظوا أني لم أخبركم حتّى ما هي المنهجية التي اعتمدها الباحثان، وما إن كانت صلبة ولها قيمة أم هي هباء).
الفكرة الأساس هنا هو أن توزيع الثروة والمال يأتي بحسب معادلات القوّة، على المستوى العالمي والمستوى الداخلي، وليس بفضل المهارة والاجتهاد، وبالطبع ليس بفضل «الحرية» والسوق المفتوحة. دول المركز الغربي تطبع تريليونات الدولارات سنوياً، فيما بعض الدّول في الجنوب العالمي لا تجد كفايةً من الدولارات لكي تستورد القمح واللقاح. التفاوت هنا سياسي بالكامل، تاريخه هو تاريخ الرأسمالية الحديثة، ومن يقارب السياسة والاقتصاد في بلادنا من باب الحوكمة فحسب يريد التغطية على هذا الواقع، أو هو يقبل سلفاً بهذه البنية (التي تصنع الفقر والثراء، وتصنع القوّة والسّلطة، وتنحاز ضدّنا وضدّ الغالبية على هذا الكوكب) ولا يريد مواجهتها بل أن يناور بـ«واقعيّة» في التفاصيل. هذا يشبه، بالمناسبة، الفكرة «الليبرالية» عن «النضال السلمي» في فلسطين التي تنتشر في الغرب، بمعنى أنك لا تجادل في أصل الدولة الإسرائيلية، بل تقبل «الإطار الصهيوني» سلفاً، ثمّ تجادل حول معاملة دولة إسرائيل للفلسطينيين، وظروفهم و«حقوقهم» ووضعيتهم، من داخل هذا الإطار.

ضدّ «العدالة الاجتماعية»
لهذه الأسباب، هناك سذاجةٌ في الطّرح القديم حول وجود «طبقة عاملة أممية»، تجمعنا مع «عمّال» المركز، هي عبارة عن بروليتاريا واحدة وإن لم تكن واعية لذلك. هذا ليس فقط لأن هناك تفاوتاً في الاستغلال، ولا لأن الإمبراطوريات تعطي فقراءها امتيازاتٍ تجعلهم في صفّها (منذ أيام منحة القمح لفقراء روما)، بل لأنّ الكلام هنا كثيراً ما يجري ضمن مفهومٍ أحادي البعد عن «الطّبقة» والاستغلال، يصبح فيه كلّ أميركي تقريباً «طبقة عاملة» وحليفاً محتملاً إن لم يكن جو بايدن أو بيل غايتس. دعوني أشرح: أفهم أنّ المهاجر غير الشرعي في أميركا، والأقليات الفقيرة المضطهدة، هم ضحايا النظام الرأسمالي مثلنا بمعنى ما (وإن لم يكن لهم في الغالب صوتٌ في السياسة). ومثلهم الريفي الأبيض الذي تراجع مستوى حياته في العقود الأخيرة (وإن كان يميل للتصويت لترامب، ويصلّي لإسرائيل في الكنيسة يوم الأحد، ولكن فلنترك هذا الموضوع جانباً الآن). سؤالي هو: أين نرسم الخطّ بالتحديد؟ هل الإعلامي والأكاديمي الأميركي، مثلاً، هو أيضاً «حليفي الطبقي» ومصالحنا واحدة؟ ماذا عن المحامي في نيويورك؟ هو أيضاً، تقنياً، «موظّف» وطبقة عاملة. أو العامل في «غوغل» و«فايسبوك»، أهو أيضاً رفيقي، أنا والسنغالي والكيني، في «أممية البروليتاريا»؟

اليوم في عمق الأزمة في لبنان، لا أحد يطرح، مجرّد طرحٍ، فكرة المصادرة والاستيلاء وتكليف الأثرياء بغية تمويل أولويات الفقراء والأكثرية من دواء وغذاء وطاقة بل هناك كلام عن الاستيلاء عن الملك العام لإعادة رسملة المصارف


من هنا أيضاً، ولكن بالمعنى المعاكس، فإنّي، حين أشاهد لبنانياً أو عربياً يقول عن نفسه أنه «يساري» أو «شيوعي» يتكلّم عن العدالة الاجتماعية، فإنّي أتوقّف عن الاستماع. «العدالة الاجتماعية»، فعلياً، هي عبارة عن «الكرزة» الموضوعة على قالب كاتوه اسمه «الرأسمالية» يريد أن يبيعه أحدٌ إليك (بمعنى، «أنا رأسمالي ولكن»، «سأقبل سلفاً بالنظام الموجود ولكني سأحاول أن أجعله رحوماً أكثر»). الفكرة هي أنّه لو تكلّم يميني ليبرالي أو سامي الجميّل، مثلاً، عن العدالة الاجتماعية، فلا مشكلة في الأمر، بل سنربّت على كتفه، فهذا أقصى ما يمكن توقّعه منه. ولكن، حين يقوله «ماركسي» ملتزم، فأنت تعرف أنه قد باع عقله ووعيه ولم يعُد له من الاشتراكية سوى الاسم الذي يستغلّه. ما معنى أن تكون يسارياً وأنت لا تحارب الإمبراطورية، ولا تطرح بديلاً عن الرأسمالية القائمة، وتقدّس الملكية الفردية؟ (في لبنان، في عمق الأزمة اليوم، لا أحد يطرح، مجرّد طرحٍ، فكرة المصادرة والاستيلاء وتكليف الأثرياء بغية تمويل أولويات الفقراء والأكثرية من دواء وغذاء وطاقة، بل يتمّ الكلام عن الاستيلاء على الملك العام لإعادة رسملة المصارف). هذا هو اليسار الذي يقف دائماً مع الليبراليين والبرجوازية، ويعتبر أن مشكلته مع النظام الرأسمالي في بلده هي عبارة عن «سوء تفاهم دائم». يشتم الرأسمالي اللبناني «اليسار» باعتباره عدوّاً ومخرّباً، فيردّ عليه اليساري بخطاب يشبه: «ما لك تفزع منّي وتعاديني وتتهمني بالجذرية؟ هل صدّقت حقّاً أنّي أريد اشتراكية؟ من قال لك أني يساري حقيقي؟». وفي هذه المواقف لا معنى لتصنيفات من نوع أن لديك «ميولاً يسارية» أو أنه كان لك ماضٍ من «التجريب» أو أن «القلب على اليسار» ومثل هذا الكلام، نحن هنا نتكلّم عن الأيديولوجيا وليس عن ميولك الجنسيّة.
حين زار حسن الخلف بيروت والتقى ببعض اليساريين فيها من أبناء جيلنا، كان انطباعه الوحيد هو: لماذا تسمّون أنفسكم شيوعيين ومواقفكم تشبه مواقف أي حزب أوروبي من أحزاب يسار الوسط؟ لماذا لا تنشئون حركة يسار ليبرالي تشبهكم وتتركون ماركس وديكتاتورية البروليتاريا لمن يريدها؟ أنا أعتقد أن لديّ إجابة على هذا السؤال، وهي أن هذه النخب لا تملك «رأسمالاً» وسلطة سوى هذه الشعارات والأحزاب، وأنا أقصد السلطة هنا بالمعنى المكتبي، البيروقراطي، وليس كحركة شعبية: المناصب والألقاب ومنصّة للوصول إلى السياسة والإعلام والشهرة والمنح والسفرات. لهذا السبب هم لن يتبرؤوا من الاشتراكيّة ويتركوها في حالها حتى وإن كانوا قد فارقوها منذ زمن - أو لم يعتنقوها حقّاً من الأساس.

خاتمة
كتب آلان باديو مؤخّراً نصّاً في ذكرى كومونة باريس. أوّل حركة ثورية عمالية في أوروبا تنتفض وتؤسّس سلطةً وحكماً، قبل أن يتم سحقها. المثير هنا هو التوازي بين «دروس اليسار» التي استخلصها من تجربة الكومونة، كما وصفها باديو، وبين كلام الكثير من المنظّرين عن «الربيع العربي» ومعنى الانتفاضة الشعبية. بعد فشل تجربة باريس كتب العديد من الاشتراكيين، بدءاً من ماركس، ليكرّروا الفكرة نفسها: أن الكومونة فشلت لأن الانتفاض الشعبي لم يوازِه تنظيم سياسي ورؤية عقلانية وقيادات تعرف كيف تستثمر الانتفاض وتحوّله إلى تفاوضٍ ومكاسب في السياسة. هذا، تقريباً، هو الخطاب نفسه الذي يستخدمه العديد من المنظّرين العرب لشرح فشل الانتفاضات «العفوية». وفي حالة اليسار في القرن الماضي، تمّ حلّ هذه المعضلة (بين ضرورة أن تحكم البروليتاريا وبين طريق الوصول إلى الحكم) عبر فكرة «الحزب»، اللينيني ثم الستاليني، يكتب باديو.
لكنّ المسألة قد تكون أعقد من ذلك، يضيف المفكّر الفرنسي. من قال لكم إنّ المنتفضين في باريس لم ينتبهوا لهذه النقطة البديهية؟ ومن قال لكم إنه لم تكن هناك حالات سابقة، تعلّموا منها، ثار فيها أناسٌ فقراء وماتوا، لتأتي «قيادات عقلانية» تستثمر موتهم في تسوياتٍ مع النظام؟ اليسار الفرنسي حكم فرنسا لأكثر من نصف المرحلة بين 1968 واليوم، وماذا فعل؟ ربّما أن كومونة باريس لم تكن تنقصها «القيادات والكوادر» بل هي، لأنها كانت انتفاضة شعبية حقيقية، فقد كانت تريد بالتحديد أن تتجنّب هذا المصير وهذه النهاية. بدلاً من السؤال القديم المتعب عن «ضرورة اليسار» و«إعادة إحياء اليسار» (وهو نقاشٌ قائمٌ منذ خمسينيات القرن العشرين على الأقل)، فإن مواجهة عالم الإمبراطورية والرأسمالية، يقول باديو، يجب أن يبدأ بالتحرّر من هذا المفهوم عن «اليسار».




اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام