«لكلّ شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاه له ولأسرته، وخاصَّةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية...»

المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان


سيشكّل إنهيار القطاع الصحي في لبنان الذي يعدّ من أفضل القطاعات الصحية في المنطقة، تحت وطأة جائحة كورونا، وسياسة رفع الدعم عن الأدوية والمستلزمات الطبية، ضربة قاضية للبنانيين اللذين يعانون من أسوأء أزمتين صحيّة ومعيشيّة مرّوا بهما في تاريخهم الحديث. سيؤدّي رفع الدعم الأدوية والمستلزمات الطبية إلى ارتفاع أسعارها بشكل كبير وإنقطاع الكثير منها، مثلما هو حاصل حالياً، في حال نفّذ حاكم مصرف لبنان تهديده برفع الدعم عن الدواء كما بشرنا وزير المال، بحجّة أن إحتياط المصرف المركزي بالعملة الصعبة يعود إلى عصابة المصارف التي نهبت أموال الدولة واللبنانيين. علماً بأنّ الخلط الحاصل بين إحتياط المصرف المركزي بالعملة الصعبة من جهة، وبين الخطأ الشائع في تسمية «الإحتياط الإلزامي» (التسمية الصحيحة وفق قانون النقد والتسليف خي احتياط أدنى يمكن للمصرف المركزي أن يخفّضها إلى 1%) وأموال المودعين من جهة أخرى، متعمّد على الأرجح لتضليل الرأي العام وتبرير سياسة رفع الدعم، فيما هما مختلفين.
كذلك تمتنع وزارة المال عن دفع المستحقات والديون المتراكمة منذ سنوات للمستشفيات العامة (منها مستشفى الحريري الجامعي) والخاصة، عملاً بسياسة التقشّف النيوليبرالية، حتّى القطاع الصحي في ظلّ جائحة كورونا التي أنهكت النظام الصحي والطبي وأوصلته إلى حافة الإفلاس. يؤدي ذلك إلى إنهيار النظام الصحي في لبنان، وتكون الدولة بذلك قد تخلّت عن أحد أهم واجباتها في رعاية مواطنيها عبر توفير العناية الطبية والصحية لهم، وفق ما ينّص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.


1- وقائع ومؤشرات حول القطاع الصحي في لبنان
تميّز لبنان كمركز طبي رفيع المستوى في المنطقة يقصده العديد من دول الجوار وسائر الدول العربية. فيحتوي على عدد كبير من الأطباء اللامعين بالمستويات العالمية عملوا وتدربوا في الخارج ومتخرجين من أفضل كليات الطب في الولايات المتحدة وأوروبا (المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، ...). إضافة، إلى أنّ مستشفياته تحتوي على أحدث التجهيزات من معدات الماسح الضوئي (scanner) والتصوير بالرنين المغنطيسي (MRI)، حتّى أن عددها من الأعلى في العالم نسبة لعدد السكان (كتاب نهوض لبنان، 2016، ص.397). ويذكر أن عدداً من المستشفيات قد عقد إتفاقيات تعاون مع أهم المراكز الطبية العالمية، حيث يمارس عدد غير قليل من الأطباء المهنة في لبنان والخارج.

543

دولاراً قيمة الإنفاق الصحي الحكومي على الفرد في 2018 مقارنة مع 269 دولاراً في عام 2000 (الارقام محسوبة على أساس الدولار الدولي على أساس تعادل القوة الشرائية PPP)


تشكّل حصة الإنفاق الصحي الجاري في لبنان (التي تشمل القطاعين العام والخاص) بحسب آخر الإحصاءات المتوافرة من خلال بيانات البنك الدوّلي التي تغطي لغاية عام 2018، ما يوازي 8.35% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعدّ هذه النسبة مقبولة بالمقاييس العالمية، إذ يحتّل لبنان المرتبة 53 من 233 تشملها البيانات المتوافرة لهذا المقياس، فيما تصل هذه الحصة إلى نحو 17% في الولايات المتحدّة، 11.5% في ألمانيا، و10% في المملكة المتحدة.
لكن نصيب الفرد من النفقات الصحية الجارية مقوّمة بالدولار الدولي (وفقا لتعادل القوة الشرائية PPP) يعطي صورة أوضح لمقارنة الإنفاق الفعلي على الصحة بين الدوّل، كما يعكس بطبيعة الحال الفروقات في مستويات الدخل بين الدوّل. وقد جاء لبنان في مرتبة مقبولة نسبياً على الصعيد العالمي، إذا أخذنا في الإعتبار الفروقات الكبيرة في معدلات الدخل الفردي بينه وبين الدوّل الصناعية ذات الدخل المرتفع كالولايات المتحدة ودوّل أوروبا الغربية (ألمانيا، فرنسا، المملكة المتحدة)، اليابان، كوريا الجنوبية...، فحلّ في المرتبة 98 عالمياً من بين 233 دولة، بينما حلّ في المرتبة الأولى عربياً (إذا استثنينا الدوّل النفطية).
شكّل نصيب الفرد من النفقات الصحية الجارية بالدولار الدولي (PPP) نحو 1,086 دولارا في لبنان لعام 2018، فيما شكّل متوسط نصيب الفرد من النفقات الصحية الجارية بالدولار الدولي (PPP) في المنطقة العربية (تشمل الدوّل النفطية) حو 1,060 دولارا لعام 2018. ووفقاً لدراسة بعنوان «إنقاذ القطاع الصحي في لبنان» أجراها أربعة أطباء وأساتذة في الجامعة الأميركية في بيروت أخيراً (تشرين الأوّل 2020)، إحتل لبنان المرتبة 33 بين 195 دولة في مؤشّر الجودة والوصول إلى الرعاية الصحية (HAQ) في عام 2018، والمركز الأول في الشرق الأوسط إلى جانب المملكة العربية السعودية وتركيا. فيما يبلغ متوسط العمر المتوقع في لبنان عند الولادة 76.28 سنة، وهو ثالث أعلى معدل في الشرق الأوسط بعد الإمارات العربية المتحدة وقطر.

2- ضعف القطاع الصحي العام وسيطرة القطاع الخاص
المشهد المشرق للقطاع الصحي في لبنان، يخفي وراءه خللاً أساسياً لجهة سيطرة القطاع الخاص على النظام الصحي وضعف القطاع الصحي العام الذي تبيّنت أهمية دوره أكثر مع جائحة كورونا. فقد تبيّن أن المستشفيات الخاصة لا تستطيع أن تصمد أمام تحديات الوباء وإنهيار سعر الصرف من دون دعم الدولة. علماً، بأن جزءاً كبيراً جداً من تمويلها يأتي من المال العام عبر ثلاث جهات رئيسية هي وزارة الصحة والصندوق الوطني للضمان الإجتماعي وتعاونية الموظفين، إضافة إلى صناديق أخرى تابعة للأسلاك العسكرية. فيما يشكّل الإنفاق الصحي العام 50% من إجمالي الإنفاق الصحي الجاري.
يوجد هناك 36 مستشفى حكومي فقط على الأراضي اللبنانية، مقابل نحو 138 مستشفى خاص. وبحسب الباحث محمد شمس الدين من «الدولية للمعلومات»، يعمل من أساس الـ36 مستشفى، نحو 29 يمكنها إستقبال مرضى كورونا نظرياً. فيما هناك 7 مستشفيات حكومية خارج الخدمة كونها تفتقد إلى التمويل والتجهيزات والطاقم الطبي والكادر الإداري الللازمين (شعيا، 29/1/2021). توّفر المستشفيات الحكومية نحو 18% من الأسرّة فقط على صعيد لبنان، بينما توفّر المستشفيات الخاصة نحو 82% من الأسرّة. أمر يشير بوضوح إلى غياب القطاع الصحي العام فعلياً سواء لجهة القدرة الإستيعابية المنخفضة جداً، أم لجهة نوعية الخدمات الصحية المتدنية، علماً بأنّ الإنفاق الصحي العام يفوق الـ50% من إجمالي الإنفاق الصحي!
كما تدين الحكومة بنحو 2,500 مليار ليرة لبنانية، لأكثر من 120 مستشفى خاص، وفق نقيب أصحاب المستشفيات الخاصّة سليمان هارون، ولم تسدد وزارة المالية في سنة 2020 إلّا 8.5% من المبلغ المستحقّ، بحسب ما نشر موقع منظمة («هيومن رايتس ووتش» Human Rights Watch) في تقرير صادر في 10 كانون الأوّل 2020. وبالتالي سينهار القطاع الصحي الخاص في حال عدم سداد الدولة متوجباتها، أو التأخّر الكبير في سدادها. الأمر الذي سينعكس مباشرة على المواطنين، إذ لن يستطيع الكثير منهم الدخول إلى المستشفيات الخاصة بأسعار مقبولة، وسيموتون على أبواب المستشفيات كما حصل مراراً لاسيما خلال أزمة كورونا، حتّى مع أطباء لم يستطيعوا أن يؤمنوا 30 مليون ليرة كبدل للمستشفى!

خلال الفترة الممتدة بين 2000 و2018 بلغت قيمة مجمل الإنفاق الصحي الممولة من المال العام نحو 23 مليار و689 مليون دولاراً أميركياً وذهبت بغالبيتها إلى المستشفيات الخاصة


يشكّل ضعف القطاع الصحي العام وسيطرة القطاع الخاص خللاً أساسياً في النظام الصحي لأنّه لا يوفّر العدالة في توزيع الرعاية الصحية اللائقة للجميع، إن لناحية الشرائح الإجتماعية المختلفة أم لناحية التوزيع المناطقي. فلأن القطاع الخاص يبغى الربح، هو لا يستثمر في مستشفيات خاصة حديثة في المناطق النائية من الشمال إلى البقاع إلى الجنوب ذات الكثافة السكانية المنخفضة نسبياً ومستويات الدخل المتدنية للعائلات. تجلّى ذلك خلال وباء كورونا، حيث كان الضغط الكبير على مستشفيات العاصمة وجبل لبنان، كونها تملك العدد الأكبر من أسرّة العناية المركزة وآلات الأوكسيجين التي يندر وجودها في مستشفيات المناطق النائية.

3- المال العام يذهب إلى تمويل نظام صحّي مخصخص
إزدادت حصة النفقات الصحية العامة (أيّ تلك الممولة من المصادر العامة وتشمل وزارة الصحة، وصندوق الضمان الإجتماعي وتعاونية الموظفين) من إجمالي الإنفاق الصحي الجاري بشكل كبير ما بين الأعوام 2000 و 2018، إستنادا إلى بيانات البنك الدولي. ففي حين لم تتجاوز نسبة النفقات الصحية العامة من إجمالي الإنفاق الصحي الجاري الـ30% في سنة 2000، وصلت إلى 50% في سنة 2018. وإزداد الإنفاق الصحي الحكومي على الفرد من 269$ بالدولار الدولي (لتعادل القوة الشرائية) في عام 2000، إلى 543 دولاراً في عام 2018.
وبلغ إجمالي الزيادة في الإنفاق الصحي العام خلال الفترة الممتدة 2000-2018 نحو 23 مليار و689 مليون دولاراً أميركياً. إلّا أنّ القسم الأكبر من هذا المال العام ذهب إلى المستشفيات الخاصة لتسديد إستشفاء المواطنين فيها على نفقة الدولة، علماً بأن معظم نفقات وزارة الصحة في سنة 2018 ذهبت لتسديد فواتير المستشفيات بما نسبته 64% (غالبياتها للمستشفيات الخاصة). ليس هذا الأمر سلبياً بالمطلق لأنّه يعني زيادة عدد الناس اللذين تشملهم التغطية الصحية من قبل الدولة، الأمر الذي إنعكس إنخفاضاً في نسبة الفاتورة الصحية المموّلة من الأسر من نحو 58% في عام 2000، إلى نحو 33% في عام 2018.
هكذا سيطر على السياسة الصحية، منطق السوق الذي يتعاطى مع الرعاية الصحية كأنّها خدمة إستهلاكية تسعى وراء الربح أكثر مما هي خدمة إنسانية ما أتاح المستشفيات الخاصة رفع أسعارها وتضخيم فواتيرها المقدمة إلى وزارة الصحة والصندوق الوطني للضمان الإجتماعي.
كما حرم ذلك المستشفيات الحكومية من موارد مالية ضخمة، كان يفترض إستثمارها في سبيل زيادة قدراتها الإستيعابية لجهة عدد الأسرّة العادية وأسرّة العناية الفائقة وتوفير التجهيزات الطبية الحديثة. إضافة إلى، تأمين البدلات المالية الملائمة الكفيلة بجذب أطقم طبية وتمريضية كفؤة وإدارة جديرة والمحافظة عليهم، بعيداً من الزبائنية والمحاصصة.
كان من شأن ذلك أن يسدّ فجوة أساسية في النظام الصحي اللبناني لجهة عدم المساواة في الوصول إلى خدمات صحية ذات نوعية جيّدة لجميع المواطنين، لا سيما في المناطق النائية التي تفتقر بشدّة إلى مستشفيات حديثة تقدّم خدمات صحية ذات نوعية جيّدة. على غرار نموذج مستشفى الحريري الحكومي الذي كان خطّ الدفاع الأوّل في مواجهة كورونا وتفوّق فيها على أعرق وأكبر المستشفيات الجامعية العريقة، كون دافعه الأساسي تقديم الرعاية الصحية للجميع على قدم المساواة، بغض النظر عن قدراتهم على تسديد المال الذي يحكم عمل المستشفيات الخاصة.


4- نظام صحّي نيوليبرالي مرتهن للإستيراد
أدّت السياسة الصحية القصيرة النظر التي سلّمت أمرها لقوى السوق وحافز الربح إلى خلق نظام صحي إستهلاكي يعتمد على الإستيراد إلى حدّ كبير بدلاً من استثمار قسماً من المال العام في سبيل بناء قطاع صحي إنتاجي يمتلك قدرات عالية في تصنيع الدواء والتجهيزات الطبية، كما فعلت الكثير من دوّل الجوار كتركيا والإمارات العربية المتحدة والأردن. علماً، بأنّ لبنان يحتوي على رأس المال البشري وأصحاب الكفاءات العلمية التي تمكّنه من تحقيق ذلك.

33

هي المرتبة التي احتلها لبنان بين 195 دولة في مؤشّر الجودة والوصول إلى الرعاية الصحية (HAQ) في عام 2018


فالأردن، على سبيل المثال لا الحصر، لديه شركات لتصنيع الدواء بمشاركة القطاع العام تعدَّت ميزانيتها الـ14 مليار دولار وأدخلت أسهمها في بورصة نيويورك (منصور، 26/6/2019). كما وصلت صادراته من الأدوية إلى ما قيمته 637 مليون دولار أميركي في عام 2019، بينما لم يصدّر لبنان إلاّ بقيمة 44 مليون دولار من الأدوية، أيّ أنّ صادرات الأردن من الأدوية تفوق نحو 14 ضعفاً صادرات لبنان من الأدوية، وفقاً لأرقام منظمة التجارة العالمية! علماً، بأن إجمالي الناتج المحلّي بالأسعار الجارية، بلغ في لبنان نحو 52 مليار دولار أميركي لعام 2019، بينما بلغ في الأردن نحو 44.5 مليار دولار أميركي. في المقابل، استورد استورد لبنان بنحو 1,278 مليون دولار أميركي من الأدوية في عام 2019، واستورد الأردن بما لا يتجاوز 625 مليون دولار أميركي من الأدوية، أيّ أن الأردن حقق فائضاً في ميزان تجارة الأدوية. بينما حقق لبنان عجزاً يصل إلى حدود (1,234) مليون دولار، ما يستنزف هذه القيمة من إحتياط العملات الصعبة في لبنان.

كلفة دعم إستيراد الأدوية والمستلزمات الطبية
أصدر مصرف لبنان في 21 أيار 2021 بياناً، يتعلّق بكلفة دعم إستيراد الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد أولية لصناعة الدواء وحليب رضع من العملات الأجنبية. بلغت قيمتها لعام 2020، نحو 1,173 مليون دولاراً أميركياً من إحتياط مصرف لبنان بالعملات الصعبة. وفي مقارنة مع عام 2021، باع المصرف المركزي ما قيمته 485 مليون دولاراً أميركياً دعماً لإستيراد مختلف المواد الطبية حتّى 20 أيار 2021. بينما لديه ملفات إستيراد أدوية قيد الدرس بقيمة 535 مليون دولاراً. الأمر الذي إعتبره البيان يرفع كلفة دعم إستيراد الفاتورة الطبية حتّى 20 أيار 2021 إلى نحو 1,232 مليون دولاراً أميركياً، أي ما يتخطى كلفة دعم إستيراد مختلف المواد الطبية لكامل العام 2020!
إلا أنّ نقيب مستوردي الأدوية في لبنان الأستاذ عبد الكريم جبارة أوضح خلال مقابلة مع المؤسسة اللبنانية للإرسال، بأنّ ما دفعه مصرف لبنان حتّى الآن هي فواتير تعود إلى عام 2020، نتيجة التأخر في دراسة ودفع الفواتير من قبل المصرف المركزي. وأنّ الفواتير قيد الدرس حتّى 20 أيار من عام 2021 البالغة 535 مليون دولاراً، هي التي تعود إلى عام 2021 فعلياً، كون المصرف يتأخرّ بدفع الفواتير بمدة تصل إلى خمسة أشهر. أيّ تكون كلفة دعم إستيراد الفاتورة الطبية للعام 2021، تقارب الـ107 مليون دولار شهرياً، ما يتجاوز معدّل الـ98 مليون دولار شهرياً للعام 2020 بمبالغ مقبولة إذا أخذنا، بالإعتبار الحاجة الإضافية إلى الأدوية والمستلزمات الطبية الناجمة عن جائحة كورونا التي إستفحلت منذ بداية عام 2021 إضافة إلى (ولكن بدرجة أقلّ) بعض التخزين للأدوية من قبل المرضى الخائفين من إنقطاعها وزيادة أسعارها، وبعض التهريب للأدوية المدعومة إلى الخارج. يفترض أن تقوم اللجنة النيابية للصحة ووزارة الصحة بالتحقيق في الموضوع.

الخلاصة
لقد أضعفت السياسات الصحية النيوليبرالية قدرات النظام الصحي في لبنان بجعله إستهلاكياً يعتمد كثيراً على الإستيراد بدلاً من الإنتاج الوطني. فلم تستثمر السياسة الصحية التي اعتمدتها السلطة في لبنان على مدى عقود في الإنتاج الوطني، عبر إعطاء حوافز حقيقية للقطاع الخاص لتصنيع الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية، بقروض مدعومة طويلة الآجال وفوائد مخفضّة جداً، على سبيل المثال. أمّ عبر التمويل من قبل الدولة لشركات وطنية يتّم إنشاؤها لصناعة الدواء والتجهيزات الطبية الحديثة. علماً، بأنّ لبنان متفوّق لناحية الرأسمال البشري والكفاءات العلمية. الأمر الذي يعطيه ميزة تفاضلية في هذا القطاع كفيلة بجعله منافساً طليعياً بين دوّل المنطقة يصدّر منتجاته إلى الأسواق العالمية بدلاً من أن يكون رهينة للإستيراد، كما هو الحال الآن.
وفقاً لدراسة بريطانية أجرتها جامعة ليدز Leeds، أدّت جائحة كورونا إلى فشل قوى السوق على نطاق واسع في مجال الرعاية الصحية على مستوى العالم. وقد تأثّرت بشكل خاص البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، التي كانت تعتمد على مقدمي الخدمات من القطاع الخاص اللذين عانوا من أزمة سيولة حادة، وأهملت النظم الصحية الوطنية (Williams, 2020). كما الدوّل الأكثر تقدما في العالم لا سيما في مجال الطب، التي اعتمدت السياسات النيوليبرالية في الرعاية الصحية كالولايات المتحدة (الأكثر إنفاقاً على الصحة في العالم) والمملكة المتحدة التي سجلّت فيها أعلى نسب من الإصابات والوفيات من جرّاء كورونا.

سيطر منطق السوق على السياسة الصحية وتعامل مع الرعاية الصحية كأنّها خدمة إستهلاكية تسعى وراء الربح ما أتاح للمستشفيات الخاصة رفع أسعارها وتضخيم فواتيرها المقدمة إلى وزارة الصحة وصندوق الضمان الإجتماعي


هذا ما دفع صحيفة «فاينانشال تايمز» اليمينية، وفي مقال افتتاحي في نيسان، إلى المطالبة بإصلاحات جذرية تعكس الإتجاه النيوليبرالي السائد منذ أربعة عقود لتضطلع الحكومات بدور أكثر نشاطاً في الاقتصاد، مثل الاتجاه الذي تلى نهاية الحرب العالمية الثانية وأنتج دولة الرعاية الإجتماعية (Kundnani, 2020, p.9).
«فقد أدّى إعتماد النيوليبرالية في أنظمة الرعاية الصحية إلى تدهور الخدمات الصحية لناحية مدى التغطية وجودة الخدمات، ركّزت برامج إعادة الهيكلة المستمرة للنيوليبرالية، على مؤشرات الربح بدلاً من مؤشرات حقوق الإنسان، الأمر الذي يضعف قدرات الناس عبر إخضاع إحتياجتهم الصحية لإحتياجات السوق» (Editorial, Journal of Global Faultlines ,2020)، بدلاً من أن يكون العكس!
النظام الصحي اللبناني المخصخص، أضعف قدرات لبنان واللبنانيين على مواجهة إحدى أخطر أزماته الصحية والإقتصادية عبر إضعاف القدرات الإنتاجية للقطاع الصحي وجعله خاضعاً للإستيراد ما أدّى إلى إنقطاع الأدوية الأساسية المتعلقة بأمراض القلب والضغط والجهاز التنفسي، ومعظم الأمراض المزمنة الأخرى إضافة إلى إنقطاع أدوية مرضى السرطان في ضوء تهديد حاكم مصرف لبنان ووزير المال برفع الدعم عن الأدوية، والتأخير المتعمّد الحاصل في دفع فواتير الدعم ما يضع صحة وحياة الناس تحت مقصلة مصرف لبنان وعصابة المصارف الذين نهبوا وما زالوا ينهبون أموال المودعين واللبنانيين والدولة.

*استاذ جامعي، كاتب وباحث في الاقتصاد السياسي



مصطلح «الإحتياطي الإلزامي»: تضليل متعمّد
تسمية «الاحتياطي الالزامي بحدّ ذاتها هي خطأ شائع، وفوق ذلك يتم الخلط بين هذا المصطلح وبين وبين مصطلح إحتياطي المصرف المركزي بالعملات الأجنبية. التفسير يكمن في قانون النقد والتسليف إذ تحدّد المادة 76 من قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي، الوسائل النقدية المتاحة للمصرف المركزي للتأثير على حجم الكتلة النقدية والسيولة وحجم التسليف من ضمنها بحسب ما جاء في الفقرة د: «إلزام المصارف بأن تودع لديه أموالا (إحتياطي أدنى) حتى نسبة معيّنة من إلتزامتها... ويمكن للمصرف أن يعتبر، إذا رأى مناسباً، توظيفات المصارف في سندات حكومية (أيّ سندات الخزينة) أو سندات مصدرة بكفالة الحكومة كجزء من الإحتياطي حتى نسبة معينة يعود له أمر تحديدها».
في هذه الحال يمكن مصرف لبنان إعتبار توظيفات المصارف الكبيرة في سندات الخزينة من الإحتياط الأدنى، علماً بأن ذلك سيعني فائضاً في الإحتياطي لدى المصارف!
علماً بأن معظم الدوّل تحدّد الإحتياطي الأدنى، بنسب متدنية جداً قد لا تتجاوز في بعض الأحيان الـ2%. وبعض الدوّل قد تخلّت عن ذلك كلياً كالمملكة المتحدة، كندا، السويد، أوستراليا، نيوزيلاند، وهونغ كونغ.
أما احتياطي المصرف المركزي بالعملات الأجنبية أو العملات الصعبة، فهي تختلف عن إحتياطي المصارف، ولا يعود بالضرورة إلى المصارف. إنما وظيفته بحسب «المبادئ التوجيهية لإدارة إحتياطيات النقد الأجنبي» الصادر عن صندوق النقد الدولي: إتاحة قدر كاف من الأصول الأجنبية الرسمية المملوكة للقطاع العام لتحقيق عدد من الأهداف من بينها (ص. 4-5): دعم الثقة في سياسات إدارة النقد وسعر الصرف، الحدّ من التعرض للأوضاع الخارجية المعاكسة، إشاعة درجة من الثقة لدى الأسواق، مساعدة الحكومة على تلبية إحتياجاتها من النقد الأجنبي، إضافة إلى مواجهة الكوارث والطوارئ القومية. أيّ الحالة التي نعاني منها في مسألة دعم الدواء ومكافحة وباء كورونا، والتي لها أولوية وطنية تفوق مصلحة المصارف.