قد تكون عبارة شربل نحاس «الإقرار بالعجز» هي الأكثر دلالة في هذه المرحلة. السلطة عاجزة عن القيام بأي شيء. تبحث عن طرق لشراء الوقت فقط. اعتادت القيام على ذلك عوضاً عن الإقرار بعجزها وفشلها في رسم أي مسار أو تصحيح مسار قائم. ثمة مثال «فريش» على الطاولة: تصدير الفاكهة والخضر إلى السعودية ودول الخليج. ملف التصدير إلى دول الخليج ومدى عمق ارتباط صادرات لبنان بهذه الدول، هو مسألة تعامل معها لبنان منذ سنوات طويلة باعتبارها أمراً بديهياً بين منطق الذين يعتقدون أن هذه أسواق طبيعية للبنان يجب الحفاظ عليها برمش العين، وبين أولئك الذين انتقدوا هذه العلاقة من دون تقديم بديل. بين الاثنين، كانت السعودية وسائر دول الخليج تستعمل هذه السذاجة اللبنانية كأداة للضغط السياسي. الملف المطروح اليوم ينطوي على خلفيات سياسية أكثر منها أمنية واجتماعية.


السعودية هي حرفياً، بوابة السلع اللبنانية إلى باقي دول مجلس التعاون الخليجي، سواء من موقعها السياسي المهيمن بين دول مجلس التعاون، أو من موقعها الجغرافي أيضاً. فعلى سبيل المثال، التحقت الكويت بقرار السعودية الرامي إلى وقف استيراد الخضر والفاكهة اللبنانية، وقد تلحق بها دول الخليج الأخرى. أما جغرافياً، فإن المعروف أن طريق الصادرات اللبنانية إلى دول الخليج تمرّ من السعودية:
- قبل إقفال المعابر الحدودية السورية بسبب الحرب هناك، كانت الطريق بين لبنان وسوريا برّاً، هي المعبر البري الوحيد الذي يربط الصادرات اللبنانية بدول الخليج. الشاحنات اللبنانية المحمّلة بالبضائع تذهب من المعابر الحدودية البرية بين لبنان وسوريا في اتجاه الأردن - العراق - السعودية. لا يمكن الوصول برّاً، من لبنان إلى باقي دول الخليج، من دون المرور بسوريا والسعودية.
لبنان لم يربح أي معركة لحماية مصالح المنتجين اللبنانيين في السوق المحلية أو في السوق الخارجية


- بعد إقفال المعابر الحدودية البرية في سوريا اضطر لبنان أن يلجأ إلى التصدير الجوّي المكلف نسبياً، وإلى التصدير البحري الأقلّ كلفة. التصدير البحري يتم بطريقتين: تجميع المنتجات في حاويات (كونتينر) وشحنها إلى بلد المقصد لكن هذا الخيار يتطلب وقتاً طويلاً لوصول البضائع واحتمال تلفها إذا كانت عبارة عن غذاء مثل الخضر والفاكهة، أو تحميل الشاحنات المبرّدة المحمّلة بالبضائع على عبّارات رورو تنطلق من مرفأ بيروت إلى مرفأ ضبا أو مرفأ جدة في السعودية، ومن هناك إلى باقي دول الخليج. وهناك طريق آخر يمكن سلوكه: الانطلاق من مرفأ بيروت إلى الاسكندرية ومنها براً إلى السعودية ثم إلى باقي دول الخليج.
المهم، هو أن كل الطرق إلى الخليج تمرّ بالسعودية، بعضها يمرّ بسوريا، وبعضها يمرّ بمصر، وبعضها الآخر بالأردن والعراق... الطريق واضح ومعروف، لكن ما الذي قام به لبنان ليحمي مصالح منتجيه ويتجنّب مأزق استعمال المبادلات التجارية الخارجية كأداة سياسية بوجهه؟
في الواقع، إن السلطة والمجتمع في لبنان، لم يفعلا شيئاً سوى التملّق وشراء الوقت. لم نتعلّم شيئاً. لنعد قليلاً إلى السنوات الماضية. منذ عقود نصدّر الفاكهة والخضر إلى دول الخليج. هذه الدول تُعدّ سوقاً أساسية لصادراتنا وتستقبل سنوياً نحو مليار دولار من السلع اللبنانية، أي ما يوازي 25% من مجمل صادرات لبنان. ارتباط الصادرات بهذه المجموعة المتكتلة من الدول كان يفرض علينا أن نقوم بحماية مصالح المنتجين اللبنانيين. بدلاً من ذلك، حوّلنا مصالحنا إلى أداة للتسوّل. طبعاً كنّا نتسوّل المال، ثم أضفنا إليه إذن الدخول إلى أسواق هذه الدول. هذا الأمر لم يحصل فقط مع دول الخليج، بل حصل أيضاً مع مصر، والأردن، وسوريا... لطالما كانت مصالح المنتجين اللبنانيين هي أدنى مرتبة من منتجي الدول التي تُعدّ نفسها «شقيقة» سواء من جهة سوريا أو السعودية. مرّة يتوقف تصدير البطاطا إلى السعودية، ومرّة يتوقف تصدير التفاح إلى مصر... مرّات ومرّات حصل هذا الأمر خلال السنوات الماضية. كانت له أُطر، بعضها يندرج في اتفاقية التيسير العربية، وبعضها يندرج في إطار الاتفاقيات الثنائية. غالبية هذه الاتفاقيات كانت ضدّ مصالح المنتجين المحليين. السلطة وقّعت الاتفاقيات لأنها بنت نموذجاً اقتصادياً مدمناً على استقطاب رؤوس الأموال، ويمقت الإنتاج والعمل. الانبطاح أمام مصالح الغير كان وسيلة النموذج لتسوّل الرساميل مقابل بيع مصالح المجتمع. فتح الباب أمام حماية مصالح المنتجين في لبنان، يبدأ بإعادة النظر بكل الاتفاقيات الموقّعة مع كل «الأشقاء». النقاش يجب ألا يقتصر على تصدير البضائع، بل على الاستيراد أيضاً، ويجب ألا يقتصر على البضائع بل على الأفراد أيضاً. كل دول الخليج نفت لبنانيين كانوا يعملون هناك بذرائع أمنية. ماذا فعلت السلطة في لبنان: لا شيء. لا سعد الحريري، ولا نبيه بري، ولا ميشال عون ولا القوات ولا حزب الله. اليوم بدأت السعودية تتعامل مع اللبنانيين العاملين هناك باعتبارهم يحملون جنسية دولة فاشلة، وبالتالي يجب التحكّم بمستويات رواتبهم أيضاً. أما على أراضي لبنان، فإن السفير السعودي أثار زوبعة دفاعاً عن توريد الألومينيوم السعودي إلى لبنان، وعن توريد رقائق الشيبس، وعن جبنة المراعي... تماماً كما فعل السفير الفرنسي دفاعاً عن توريد دفاتر الورق، وكما فعل الكثير من السفراء العرب والأجانب... دائماً كانت السلطة تخضع للابتزاز الخارجي. لم نربح أياً من هذه المعارك.

الاتفاقيات التجارية مع الخارج كانت تغطّي إدمان النموذج على استقطاب المزيد من الرساميل


إعادة النقاش في الاتفاقيات التجارية بين لبنان والخليج لا يمكن أن يحصل بسهولة. فالتغيير يجب أن يكون من الداخل أيضاً. ما حصل في السنوات الماضية أننا تعرّضنا لكل هذا الابتزاز من القريب والبعيد، لكن لم نقم بخطوة إضافية لحماية مصالح المنتجين اللبنانيين. لم نفتح أي أسواق جديدة أو بديلة رغم أن وزارة الاقتصاد ومؤسسة تشجيع الاستثمارات (إيدال)، ووزارة الخارجية، وعدداً آخر من الإدارات والمؤسسات العامة، التي كانت راعية لمعارض وأحداث أقيمت في الخارج من أجل اكتشاف أسواق جديدة أو تسويق المنتجات اللبنانية في الأسواق الجديدة. لم نتمكن من التصدير إلى أوكرانيا أو روسيا أو... كانت هذه الأحداث جزءاً من فساد السلطة وشركائها من أصحاب الرساميل. لم يهتموا يوماً ببناء اقتصاد منتج لتسويقه في الخارج. كانت لعبة التسوّل محبّذة أكثر. هي أسهل وأكثر درّاً للربح المموّل بعائدات البترول.
كذلك، لم نقرّر بعد أي نموذج اقتصادي يجب أن نكون عليه في السنوات المقبلة. النموذج السابق انتهى. ثمة محاولة لإنعاشه ستنتهي بتحويل المجتمع إلى الفقر المدقع خلال العقدين المقبلين على الأقل. ما تقوم به السلطة عبر أبرز أركانها: حاكم مصرف لبنان، هو شراء الوقت لإطفاء الخسائر. معادلة كهذه، استهلكت حتى الآن أكثر من 6 مليارات دولار لدعم الاستهلاك، ووضعت أكثر من نصف اللبنانيين تحت مستوى خطّ الفقر، وستضع قسماً كبيراً من النصف الباقي تحت الخطّ أيضاً، بالإضافة إلى موجة تهجير ضخمة قد تتجاوز المليون شخص.
الآن، المشكلة لا تكمن في سلوك السعودية السياسي تجاه لبنان، أو حتى في سلوك اللبنانيين تجاه سوريا ورفضهم التعامل مع النظام لفتح أبواب التصدير البري على مصراعيه. المشكلة تكمن في أن دولاً أخرى بدأت تنافس المنتجات اللبنانية في هذه الأسواق التقليدية. المنتجات المصرية والأردنية تنافس المنتجات اللبنانية في الأسواق الخليجية. الخليجي لم يعد ساذجاً كفاية ليصدّق خدعة «العراقة اللبنانية». أما السلطة في لبنان فهي عاجزة عن حماية المنتجات المحلية، واليد العاملة اللبنانية، والمصالح اللبنانية الكبرى... عاجزة عن أي شيء ومن ضمنها التعامل مع ملف الخضر والفاكهة. الإقرار بالعجز هو مدخل إجباري لانطلاقة الحلّ.




اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام