أثيرت أخيراً مسألة تصدير المواشي الحيّة، وتحديداً الغنم، إلى الإمارات العربية المتحدة وقطر. فُتح النقاش من باب الدعم. فاستيراد المواشي الحيّة مدعوم على سعر 3900 ليرة مقابل الدولار، وبالتالي فإن استيرادها ثم إعادة تصديرها إلى الخارج لا يفيدان المستهلك اللبناني، بل يُعدّان سرقة موصوفة من المستوردين والتجار، لأنهم يشترون بضائعهم بأسعار مدعومة ويصدّرونها مقابل دولارات حقيقية تُصرف في السوق الحرة بقيمة تبلغ اليوم 12100 ليرة لكل دولار. لكنّ الإحصاءات الرسمية لا تشير إلى مشكلة في هذا المجال تحديداً، أي استيراد وتصدير الأغنام، بل تكشف عن سرقة موصوفة في مجال استيراد وبيع الأبقار. هناك شكوك في أن مستوردي الأبقار سطوا على أكثر من 70 مليون دولار من أموال الدعم. ولم يكتفوا بذلك، بل هم يخزّنون أبقارهم في المزارع في انتظار رفع الدعم لتحقيق أرباح خيالية إضافية.


مشكلة السوق المحلية للحوم الحيّة، لا تكمن في الأغنام. فمن الواضح أن الأغنام تدخل إلى لبنان بصورة غير نظامية عبر تداخل المراعي السورية واللبنانية على الحدود البقاعية والشمالية، وبالتالي ليس هناك تعداد نهائي وحاسم للقطعان المتوافرة في لبنان. لكنّ المعروف أن الأغنام التي تأتي من سوريا هي أغنام «العويس» الغالية الثمن. سعر الكيلوغرام في السوق المحلية يفوق 150 ألف ليرة حالياً، لذا هناك شكوك في أنه يُستهلك كثيراً وأن تصديره يخلق مشكلة نقص الكميات في السوق الاستهلاكية. وتتعزّز هذه الاستنتاجات بالإحصاءات الجمركية: في عام 2019 استورد لبنان 269223 رأس غنم بقيمة 37.9 مليون دولار وصدّر 83158 رأس غنم بقيمة 11.5 مليون دولار. وفي عام 2020 استورد 207065 رأس غنم بقيمة 37.8 مليون دولار، وصدّر 103178 رأس غنم بقيمة 27 مليون دولار. هذا يعني أنه في عام 2019 أن الفرق بين الاستيراد والتصدير، بلغ 186 ألف رأس غنم متوافر على الأراضي اللبنانية مقابل 103 آلاف رأس في عام 2020. قد تكون ثمّة أطماع في تصدير الغنم المستورد بدولارات الدعم، لكن لا تزال هناك كميات وافرة في السوق رغم التصدير. يمكن تفسير الأمر عبر ولادات الأغنام، وعبر الاستيراد غير النظامي من سوريا.
القصّة مختلفة تماماً في الأبقار. فالكميات التي تأتي إلى لبنان هي للاستهلاك المحلي فقط. يندر أن يتم تصديرها. لبنان يستورد البقر من ستة مصادر رئيسية: إسبانيا، أوكرانيا، البرازيل، هنغاريا، كولومبيا وليتوانيا. تمثّل هذه البلدان نحو 80% من الأعداد الواردة إلينا، ونسبة مماثلة من قيمة الواردات أيضاً. في عام 2019 استورد لبنان 328372 رأس بقر بقيمة 272.75 مليون دولار، وفي عام 2020 (لغاية تشرين الثاني ) استورد 195253 رأس بقر بقيمة 246.8 مليون دولار. كلفة رأس البقر الواحد في عام 2019 بلغت 830 دولاراً، بينما كلفة الرأس الواحد في عام 2020 بلغت 1264 دولاراً، أي بزيادة 52%. قد يكون مفهوماً أن ينخفض استهلاك لحوم البقر في ظل الانهيار الحاصل حالياً، لكن أن يرتفع سعر الرأس الواحد بنسبة كبيرة كهذه فهو أمر لا يمكن تفسيره إلا من خلال أمرين: ارتفاع الأسعار والأكلاف الخارجية، أو نفخ الأسعار للسطو على أموال الدعم. وبحسب المؤشرات المسحوبة من بورصات دولية على مدى 11 شهراً في السنتين الماضيتين، فإن أسعار لحوم البقر لم ترتفع في عام 2020 إلا بنسبة 4.9%. وثمن البقر هو الوزن الأساسي في كلفة الاستيراد، أي إن الزيادة الطارئة على أكلاف الشحن في عام 2020 لا تبرّر مطلقاً الزيادة الكبيرة في سعر رأس البقر.
بدلاً من أن يستورد لبنان رأس البقر الواحد بقيمة 900 دولار (بعد احتساب الزيادة في كلفة الشحن)، بات يستورده بنحو 1264 دولاراً، أي أن هناك أكثر من 70 مليون دولار هي عبارة عن سطو على أموال الدعم. لكنّ الأسوأ من ذلك لا يتعلق بسرقة الدولارات «على عينك يا تاجر» بل في أن بعض المستوردين يقومون بتخزين أبقارهم في السوق بذريعة أن وزير الاقتصاد لم يوقّع الملفات العائدة لهم ليقبضوا الأموال. يتردّد أن هناك مزرعة واحدة لتاجر واحد في البقاع فيها أكثر من 17 ألف رأس بقر.
إذاً، فوق نهب أموال الدعم، يتم تحميل المستهلك مسؤولية المخاطر التي قرّر المستورد أن يتحمّلها عندما استورد الكميات، وهو اليوم يأخذ المستهلكين رهائن.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام