بلغ الدين العام في لبنان بحسب إحصاءات رسمية مصدرها وزارة المال، نحو 144 ألف مليار ليرة، موزّعاً على 62.3% دين بالعملة المحلية، و37.7% دين بالعملة الأجنبية. يحمل مصرف لبنان من هذا الدين نحو 55079 مليار ليرة بالعملة المحلية، و7630 مليار ليرة بالعملة الأجنبية. مجموع حصّة مصرف لبنان من الدين يبلغ 43.52%، بينما حصّة المصارف التجارية المحلية تبلغ 37328 مليار ليرة أو ما يوازي 25.9%، ويحمل الضمان الاجتماعي نحو 6 آلاف مليار ليرة أو ما يوازي 4.2% من الدين، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع نحو 4300 مليار ليرة أو ما يوازي 2.99% من الدين، وهناك حصص لحملة سندات اليوروبوندز الأجانب بقيمة 30 ألف مليار ليرة أو ما يوازي 20.3%، و2.1% أو ما قيمته 3150 مليار ليرة هي عبارة عن قروض خارجية من دول ومؤسسات مالية متعدّدة الأطراف، بالإضافة إلى حصص صغيرة للجمهور والمتعهدين ومؤسسات مالية بقيمة 1130 مليار ليرة أو ما يوازي 0.78%.



بالاستناد إلى هذه الحسابات، وحسابات الناتج المحلي الإجمالي الذي قدّرته وزارة المال بنحو 88 ألف مليار ليرة لعام 2020، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 163.7%.
في الواقع، يُعدّ هذا الحساب غير دقيق نهائياً وتعتريه ثغرة أساسية: الدين بالعملة الأجنبية هو عبارة عن سندات يوروبوندز، وقروض خارجية متعاقد عليها مع مصادر ثنائية ومؤسسات مالية متعددة الأطراف ومؤسسات مصرفية أجنبية. قيمة محفظة سندات اليوروبوندز تبلغ 33.96 مليار دولار، وقيمة القروض تبلغ 2.09 مليار دولار. وهذه المبالغ هي دين لبنان تجاه الخارج، وهي مسعّرة في بيانات الوزارة على أساس 1507.5 ليرات وسطي لكل دولار، أي بما يوازي 54346 مليار ليرة، رغم أنه دين خارجي ويتطلب سداده أو سداد فوائده، تحويلات إلى الخارج بالدولار الحقيقي وليس بالدولار المحلّي، وبالتالي فإن التسعير يجب أن يكون بالسعر الفعلي للدولار الحقيقي.
يمكن احتساب الدين الفعلي بالدولار وفق عدّة سيناريوهات أبرزها:
- سيناريو سعر المنصّة: يبلغ سعر المنصّة 3900 ليرة مقابل كل دولار وهو يمثّل سعر الدولار المحلّي، أي الدولارات التي يمكن سحبها من المصارف المحلية بالليرة اللبنانية حصراً. بهذا المعنى لا يمكن اعتماد هذا السعر مع الدائنين الأجانب، لكنه سعر يمكن اعتماده بالنسبة إلى المصارف المحلية الدائنة. وبأي حال، فإن تسعير الدين الخارجي وفق سعر المنصّة يرفع قيمة الدين الخارجي بالعملة المحلية إلى 140595 مليار ليرة. وبالتالي يصبح مجموع الدين العام 230357 مليار ليرة، أي ما يوازي 261.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
- سيناريو السعر السوقي: حالياً يُراوح سعر الدولار في السوق المحلية ما بين 9 آلاف ليرة و11 ألف ليرة، أي بمعدل وسطي 10 آلاف ليرة (هناك وعود من حاكم مصرف لبنان بأن ينخفض إلى ما دون الـ9 آلاف ليرة بعد بدء عمل منصّة التسعير ابتداءً من صباح اليوم). الدين الخارجي بالعملة الأجنبية سيبلغ 330500 مليار ليرة، إذا اعتُمد سعر الـ10 آلاف ليرة، ما يعني أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ستبلغ 375.5%.
- قد تكون هناك طريقة ثانية لاحتساب نسبة الدين إلى الناتج من خلال تسعير الدين العام على أساس الدولار الخارجي. بهذا المعنى تنخفض قيمة الدين بالليرة إلى 23 مليار دولار وفق سعر المنصّة وتصبح قيمة الناتج وفق السعر نفسه 22.5 مليار دولار، أي أن الدين العام يصبح 55.5 مليار دولار ونسبته إلى الناتج 246.8%. أما إذا احتُسب سعر الدولار السوقي للدين بالليرة فستنخفض قيمة الدين إلى 8.9 مليارات وسيصبح الدين العام 41.9 مليار دولار والناتج سيبلغ 8.8 مليارات دولار، أي أن نسبة الدين إلى الناتج ستبلغ 476%.
هذه ليست سوى محاولة استرشادية لاحتساب نسبة الدين الحكومي إلى الناتج. فالأرقام الدقيقة يجب أن تأخذ في الاعتبار آلية احتساب الناتج المحلي الإجمالي، لكنها محاولة ضرورية لسبب أساسي: إذا كان لبنان سيسعى للحصول على برنامج مع صندوق النقد الدولي، فإنه يترتب عليه أن يلتزم بالسقوف والمؤشرات التي سيحدّدها، وخصوصاً أن التمويل سيكون مربوطاً بـ «القطّارة» بهذا الالتزام. فمن أبرز السقوف التي يحدّدها الصندوق هو أن يكون الدين العام في مسار مستدام ضمن سقف لا يتعدّى الـ 100% من الناتج المحلي الإجمالي.
لذا، إن تسعير الدين العام واحتساب الناتج أمران ضروريان من أجل معرفة حجم الخسائر التي ستترتب على حملة الدين. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الديون الموجودة لدى مصرف لبنان تجاه المصارف، وديون المصارف تجاه الزبائن. أهم ما في هذه المسألة يتعلق بتوزيع الخسائر. هذه هي المعركة الحقيقية التي يجب الانتباه إليها. الجهد المحاسبي ضروري لاحتساب الدين، لكنه أيضاً جهد مُهم لفكفكة الأهداف والتوجهات التي ستلجأ إليها السلطة في مواجهة الخسائر.
كمية الخسائر تحدّد أيضاً آلية التوزيع. حتى الآن يقع عبء الخسائر كلّه على عاتق المقيمين عبر ضريبة التضخّم التي يفرضها سلامة من خلال طباعة النقود وإطفاء الخسائر بينه وبين المصارف، وهي تمثّل الخسائر الكبرى في النظام المصرفي. فالمصرف المركزي يحمل في نهاية 2020 نحو 88 مليار دولار وظّفتها المصارف عنده، وبدورها المصارف تحمل نحو 110 مليارات دولار ودائع مقوّمة بالدولار للزبائن هي ديون واجبة السداد عند استحقاقها. لكن إطفاء الخسائر بين المصارف ومصرف لبنان، يتم عبر طباعة النقود التي تخلق تضخّماً في الأسعار وتثير تقلبات كبيرة في قيمة العملة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام