بلغ حجم انكشاف المصارف اللبنانية في الخارج (الموجودات مقابل الالتزامات في المؤسّسات المالية الخارجية أو مصارف المراسلة) 2.55 مليار دولار بحسب أرقام مصرف لبنان لشهر تشرين الثاني الماضي. وهذا يعني، أن التزامات المصارف تجاه الخارج، تفوق موجوداتها. يأتي ذلك، في ظل انتهاء المهلة التي منحها مصرف لبنان للمصارف في إطار التعميم 154 من أجل تكوين سيولة خارجية بنسبة 3% من ودائع بالدولار في نهاية حزيران 2020 أو ما يعادل 3.42 مليارات دولار. ففي حال تمكّنت المصارف من جمع المبلغ كاملاً، ستكون لديها سيولة تغطّي 79% من التزاماتها الخارجية، لكن الأمر اختلف بعد قرار المجلس المركزي الأخير الذي لا يكتفي بمنع المصارف من استخدام السيولة الخارجية خارج إطار التعميم 154، بل يفرض عليها أيضاً أن تُبقي أي سيولة إضافية تحصل عليها في حساب حرّ (نقدي في فروعها أو لدى مصارف المراسلة) من أي التزامات. بمعنى آخر، بات يترتب على المصارف أن تعالج أزمة التزاماتها الخارجية السلبية من دون استخدام الأموال الجديدة التي تحصل عليها. هذا الأمر يحوّلها إلى بنك «بريد» يُمنع عليه التسليف أو فتح الاعتمادات أو أي أمر آخر. هذه درجة متقدمة من الإفلاس التي لا تقوم بها سوى «مصارف الزومبي».



منذ عام 2017 تواجه المصارف عجزاً في صافي موجوداتها / التزاماتها لدى المؤسسة المالية الأجنبية (مصارف المراسلة بشكل أساسي). في أيار 2017 بدأ يميل هذا الصافي إلى السالب. هذا الأمر نجم عن علامات تراجع في الموجودات مقابل ارتفاع في الالتزامات. فعلى مدى أعوام 2017 و2018 و2019 و2020، سُجّل تراجع دراماتيكي في هذه الموجودات من 10.8 مليارات دولار في مطلع 2017 إلى 4.6 مليارات دولار في نهاية تشرين الثاني 2020. الحال كانت معكوسة على ضفّة الالتزامات، ففي الفترة المذكورة ازدادت هذه الالتزامات من 6.4 مليارات دولار إلى 7.15 مليارات، علماً بأنها بلغت أقصى مستوى لها في تشرين الأول 2019 مسجّلة 9.7 مليارات دولار.
هذه التطورات على ضفتَي الموجودات والالتزامات تشير بوضوح إلى أنه رغم الارتفاع الطفيف في الالتزامات، إلا أن المشكلة الأساسية كانت مرتبطة أكثر بالموجودات. فقد تدهورت تغطية المصارف لالتزاماتها الخارجية بشكل متسارع وكبير بسبب تدهور قيمة الموجودات الخارجية، وهذا الأمر مرتبط بشكل أساسي بانخراطها في الهندسات المالية التي أطلقها مصرف لبنان في عام 2016. مصرف لبنان اتّكل على جشع المصارف من أجل جذب سيولة كبيرة من الخارج إلى الداخل، وحقّق نجاحاً باهراً في ذلك بالاستناد إلى «حماقة» المصارف ورغبتها في تحقيق الأرباح السهلة والكبيرة. مصرف لبنان كان يعي تماماً ما يفعل وكانت لديه كل المؤشرات التي تمنحه قراءة وافية ومفصّلة عن أوضاع العجز الخارجي وموازنات المصارف أيضاً وأنماط عملها. في المرحلة الأولى من عملية جذب الأموال، عملت المصارف على إغراء الزبائن فاستقطبت الكثير من الأموال ما عزّز موجوداتها الخارجية لتبلغ 7 مليارات دولار في أيار 2017، لكن مفاعيل الهندسات المالية أدخلت المصارف في المرحلة الثانية بعد انتقال الأموال من الخارج إلى الداخل. في شهر حزيران 2017 بدأ مسار الانحدار بالنسبة إلى حساب صافي الموجودات والالتزامات، فخسرت المصارف منه نحو 2 مليار دولار خلال حزيران 2017.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

استمرّ المسار الانحداري خلال الأشهر التالية إلى أن تراجع فائض صافي الموجودات/الالتزامات الخارجية إلى 3.45 مليارات دولار في مطلع 2018. وعلى مدار عام 2018، شهد الحساب تقلبات ضمن المسار الانحداري، فكانت قيمة التراجع في الفائض تفوق قيمة الزيادات المسجّلة في الموجودات، إلى أن بلغ الفائض 2.73 مليار في نهاية 2018. وفي عام 2019 تسارع التدهور. غالبية أشهر تلك السنة سجّلت انخفاضات متتالية. في أيار 2019 انقلب الفائض إلى عجز بلغ في نهاية السنة مليارَي دولار. خلال 12 شهراً من عام 2019 خسرت الموجودات الخارجية للمصارف أكثر من 4.7 مليارات دولار، ما يعني أن العجز بدأ يتحوّل إلى عجز بنيوي ثابت يشي بأن المصارف لم تعد قادرة على تغطية التزاماتها في الخارج. وفي سنة 2020، واصل العجز ضمن المسار نفسه، مسجّلاً 3.16 مليارات دولار. ورغم أنه تقلّص في الأشهر التالية، إلا أنه لا يزال عجزاً كبيراً بلغ 2.55 مليار دولار في شهر تشرين الثاني الماضي.
هذا التطوّر يرسم أسئلة صعبة ستواجهها المصارف، لكنها ازدادت صعوبة بعد قرار المجلس المركزي الأخير القاضي بمنع استعمال السيولة المفروض على المصارف جميعها في إطار التعميم 154 في غير محلها، كما أنه يفرض عليها أيضاً أن تضع السيولة الإضافية التي تحصل عليها خارج إطار التعميم في حساب حرّ من أي التزامات. فهل هذا يعني أنه لم تعد قادرة على تغطية التزاماتها السابقة إلا بأموال جديدة؟
عملياً، ما يقوله مصرف لبنان هو أنه وفّر الحماية المحلية للمصارف بطرق وألاعيب يمكن القيام بها محلياً فقط، لكنه يشير بوضوح إلى عدم قدرته على توفير الحماية من المصارف المراسلة التي قد تلجأ إلى «الإفلاس القسري». فالحلّ المفروض بموجب هذه التعاميم وقرارات المجلس المركزي، هو بمثابة «حبوب مهدّئة» للمصارف المراسلة التي ستحصل على ودائع إضافية من «حسابات الفريش» الآتية إلى لبنان. صحيح أن هذه الحسابات حرّة من الالتزامات، وبالتالي فهي لا تغطي حكماً أي التزامات مترتّبة على المصارف في الخارج، إلا أنها قد تدفعها نحو التعامل مع المصارف اللبنانية بهدوء أعلى ولا تجرّها مباشرة نحو الإفلاس. هذا الاستنتاج يتعزّز أكثر قياساً على جدول الالتزامات الزمني، إذ أنه لا يفرض على المصارف تسديد التزاماتها كاملة في وقت واحد.

تابع «رأس المال» على إنستاغرام

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا