بحسابات ستيف هانكي، فإن تضخّم الأسعار في لبنان بلغ 319% وسطياً في عام 2020، ما يدفعه إلى تصنيف لبنان على لائحة الدول التي تعاني من التضخّم المفرط، لا بل إنه يصنّف لبنان ثالث أعلى دولة تعاني من تضخّم مفرط. في المرتبة الأولى تأتي فنزويلا بمعدّل تضخّم وسطيّ بلغ 2285%، وزمبابوي في المرتبة الثالثة بمعدل 358%.

لا يتّفق كثيرون مع هانكي على أن التضخم في لبنان هو مفرط. بعض الأساتذة الجامعيين يعتقدون أن التضخّم المفرط يتطلّب تضخّماً في الأسعار بمعدّل 50% شهرياً أو 1000% سنوياً، لذا يرون أن التضخّم في لبنان وفق المعدلات المعلَنة من إدارة الإحصاء المركزي تعبّر عن تضخّم مرتفع مختلف كلياً عن التضخّم المفرط، أو التضخم المتسارع. فالتضخّم المفرط يعبّر عن ارتفاع في الأسعار خلال فترة زمنية قصيرة جداً، كأن تتغيّر الأسعار كل بضع ساعات في اليوم الواحد وبمعدّلات مرتفعة نسبياً.
صندوق النقد الدولي يعترف أو يثق أو يعتمد تعريفات مختلفة للتخضّم من أبرزها التعريف الصادر عن الاقتصادي فيليب كاغان. ففي عدّة أوراق بحثية نشرها صندوق النقد الدولي، كان كاغن هو السند الأساسي لتعريف التضخّم المفرط على النحو الآتي: «يدخل الاقتصاد مرحلة التضخم المفرط في الشهر الذي يتخطّى فيه تضخّم الأسعار معدل 50%، ويخرج من هذه المرحلة في الشهر الذي ينخفض فيه هذا المعدل عن نسبة 50%». بهذا المعنى، تتّضح أكثر تصنيفات هانكي عن لبنان وغيره ضمن لائحة التضخم المفرط. فإلى جانب كون هانكي يعتمد معادلة خاصة به لقياس التضخّم لا تعتمد فقط على سلّة أسعار الاستهلاك أو على الطريقة التقليدية التي تُحتسب على أساسها هذه الأسعار، فمن الواضح أنه يصنّف أي اقتصاد يكون فيه تضخّم الأسعار بشكل مفرط ولو لفترة قصيرة ضمن لائحته. ففي لبنان تضخّمت الأسعار خلال عدد محدود من الأشهر بأكثر من 50%، لكنّها لم تصل إلى 1000% سنوياً، ولم نشهد تسارعاً كالذي نشهده في فنزويلا.


أيّاً يكن الحال، فمن المهمّ التعرّف إلى «التضخّم المفرط» بوصفه «الانغماس في الانهيار». عملياً، لبنان يسير في الاتجاه نفسه. فمن دون حكومة، وفي ظلّ مجلس نيابي منقسم بين ممثلي الاقتصاد التجاري (الأولوية لحيتان المال) وممثلي الاقتصاد التوزيعي (الأهمية لعملية توزيع الأموال وتحويل الناس إلى زبائن في السياسة)، ووسط عملية تفاوض دولية متوتّرة سواء صار التفاوض على الطاولة بالكلام والأبحاث أو بأدوات عنفيّة، يبدو أن الأمر ذاهب نحو ما بعد الأسوأ. ما وراء الفقر. فبعد مضي أكثر من سنة على الانهيار الواضح، وبعد نحو 11 شهراً تقريباً على إعلان لبنان التوقّف عن دفع ديونه للدائنين الأجانب، لا يزال النقاش يتعلّق باستمرار الدعم أو وقفه.
استمرار الدعم، يعني مواصلة التوزيع وفق القنوات القديمة الشاملة والتي يستفيد منها الأثرياء أكثر من الفقراء. من أبرز هذه القنوات، دعم أسعار الاستهلاك لتبقى قيمتها بالعملات الأجنبية موازية لنحو 1507.5 ليرات وسطياً، ومثلها دعم استهلاك الكهرباء، دعم الخبز، ودعم القروض... أما وقف الدعم، فيعني إلغاء إحدى قنوات عمليات التوزيع التي كانت تؤمّن لقوى السلطة زبائن بالجملة يتهافتون للحصول على حصّتهم. تجمعات الأعمال (شركات الغذاء، الصيادلة... وغيرهم)، أصحاب الشركات بشكل إفرادي، أصحاب الاستثمارات الصغيرة... كلهم كانوا يريدون حصّة من الدعم الذي يفيد الشرائح الأكثر قدرة على الاستهلاك.
الحجّة التي تُستعمل من أجل تبرير وقف الدعم، أن مصرف لبنان لديه سقف لاستعمال الدولارات لا يمكنه تجاوزه. وبمعزل عن أنه سقف وهميّ، إلّا أن قوى السلطة بدت موافقة على هذا المبرّر، لكنها طالبت مصرف لبنان بقناة جديدة تعوّضها عن إلغاء القناة القديمة: الدعم بطباعة النقد. بهذا المعنى، اتّفقت هذه القوى على أن توزّع 1 مليون و250 ألف ليرة شهرياً دعماً لنحو 600 ألف أسرة، أي ما توازي قيمته 9000 مليار ليرة. هذه المبالغ بمعزل عن كيفية تمويلها، إلّا أنها ستضخّ في السوق أي أنها عبارة عن إصدارات نقد إضافية تأتي فوق 3130 مليار ليرة خدمة دين بالليرة، وفوقها أيضاً 1550 مليار ليرة يطبعها مصرف لبنان شهرياً لإطفاء الودائع على سعر 3900 ليرة (18600 مليار ليرة). بهذا المعنى، فإنّ الكتلة النقدية المتداولة بالليرة اللبنانية سترتفع من 32 ألف مليار ليرة حالياً، إلى أكثر من 62 ألف مليار ليرة.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن هناك علاقة قوية بين الكتلة النقدية المتداوَلة، وبين سعر صرف الليرة في السوق الموازية، فمن الأكيد أن تغيّر العامل الأول ارتفاعاً سيؤدي إلى تغيّر مماثل في العامل الثاني. هذا السيناريو لا يأخذ في الاعتبار تأثيرات عوامل أخرى مثل العوامل السياسية، أو اتّفاق مع الدائنين، أو انفراج ما، وهو لا يأخذ في الاعتبار أن زيادة النقد تغذّي الطلب على الدولار وترفع سعره مقابل الليرة ثم تتغذّى الأسعار على ارتفاع سعره مجدداً... هذا هو التضخّم المفرط. إنها حلقة جهنميّة من ارتفاع الأسعار بلا أفق أو رادع.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا