في السنوات العشر الأخيرة، بلغت قيمة الفوائد المدفوعة على ودائع الزبائن نحو 65 مليار دولار. في هذه الفترة شهد القطاع المصرفي ارتفاعاً هائلاً في معدلات الفائدة المُثقلة. ففي عام 2019 بلغت معدلات الفائدة على ودائع الليرة 9.5% و6.5% على ودائع الدولار (بعض الفوائد على الدولارات المنخرطة في الهندسات المالية تجاوزت 22%). بالتوازي، زادت الودائع المقوَّمة بالدولار (دولرة الودائع) بقيمة 45 مليار دولار، فيما تراجعت قيمة الودائع بالليرة بنحو 14 ألف مليار ليرة. هذه الأرقام هي دليل واضح على وجود عملية احتيال جرى من خلالها خلق النقد بالدولار الوهمي عبر فوائد خيالية، بينما كان أداء القطاع المالي اللبناني يسجّل تراجعاً كبيراً في حسابه الخارجي متمثّلاً بالعجز في ميزان المدفوعات. هذه خلاصة عملية مراجعة للحسابات المدوّنة خلال تلك السنوات مأخودة من أرقام مصرف لبنان.

في نهاية 2010 بدأت بوادر التداعيات المالية تظهر بوضوح على حركة أسواق المال اللبنانية وتدفق الرساميل من الخارج. انعكاساتها أصابت الاقتصاد اللبناني الذي تضرّر أيضاً بفعل الحرب السورية. على وقع هذه التداعيات، بدأت ترتفع المخاطر الاستثمارية متأثّرة بانعدام الاستقرار السياسي والاهتزازات الأمنية المحلية، ما دفع الاستثمارات الأجنبية إلى التحوّل عن لبنان نحو أماكن أكثر استقراراً. بنتيجة ذلك، بدأت تدفقات الرساميل تتباطأ. هذه التدفقات كانت العصب الأساسي لتغذية مخطط الاحتيال المصرفي في لبنان على مدى العقود الثلاثة الماضية. وبما أن السياسات النقدية كانت أسيرة هذه اللعبة من دون أي فعّالية مرتبطة بأهداف متصلة بالتخضم والبطالة والاستثمارات الفعلية، كانت ردّة الفعل التلقائية هي رفع معدلات الفائدة على الودائع المحلية، لتشجيع المستثمرين على ابتلاع المخاطر المرتفعة.


في عالم المال يتوقّع المستثمر أن يتلقى عوائد أعلى على استثماراته في مقابل ارتفاع نسبة المخاطرة. هذا ما يُسمى بعلاقة مخاطر الاستثمار بعوائده (risk-return tradeoff). وقد ظهر هذا الأمر جلياً في ارتفاع معدلات الفائدة في لبنان بشكل تدريجي خلال السنوات العشر الماضية. ففي مطلع عام 2011 بلغ معدّل الفوائد 2.84% على ودائع الدولار و5.63% على ودائع الليرة، فيما وصل هذا المعدل في أواخر عام 2019 إلى 6.6% على ودائع الدولار و9.4% على ودائع الليرة. ولعبت «الهندسات المالية» التي نفّذها مصرف لبنان، دوراً مهماً في ارتفاع هذه المعدلات بعد عام 2016، إذ اندفعت المصارف اللبنانية نحو رفع معدلات الفائدة بشكل كبير لتعويض النقص في تدفق الرساميل وجذب الدولارات من الخارج بهدف توظيفها في الهندسات.
تضخّم أسعار الفائدة، رتّب على القطاع المصرفي فوائد وصل مجموعها إلى 65 مليار دولار على جميع الودائع، أي بمعدّل 6.5 مليارات دولار سنوياً. وبتحليل أرقام مصرف لبنان الرسمية، تقسّمت هذه الفوائد إلى 37 مليار دولار على ودائع العملات الأجنبية، و28 مليار دولار (42 ألف مليار ليرة) على ودائع الليرة. وتبيّن أن ودائع الدولار قد ارتفعت خلال هذه الفترة بقيمة 45 مليار دولار، ما يعني أن الفوائد التي دُفعت على حسابات الدولار تمثّل 82% من الارتفاع في قيمة هذه الحسابات.
أتى ذلك في ظل استمرار الجمود في الاقتصاد اللبناني، وتراكم العجز في ميزان المدفوعات منذ عام 2011 حتى نهاية عام 2020 بقيمة إجمالية بلغت 29.2 مليار دولار. هذا يعني أن الفوائد لم تكن سوى أرقام وهمية سُجّلت دفترياً في الحسابات المصرفية. كان أغلب الارتفاع في حسابات العملات الأجنبية من هذه الفوائد. وفي المقابل كان حساب ميزان المدفوعات يشير إلى خروج العملات الأجنبية من البلد. هذا ما كان يقوم به القطاع المصرفي منذ تسعينيات القرن الماضي حتى أواخر عام 2019؛ تسجيل فوائد وهمية غير مسندة بدولارات حقيقية في حسابات المودعين، مقابل تبديد الدولارات الحقيقية بالسياسات النقدية والمالية الفاشلة التي اتُّبعت في ظل استشراء حالات الفساد والنهب المقوننة.
وخلال السنوات العشر الماضية شهد القطاع المصرفي كلفة فوائد متزايدة وصلت إلى أقصى درجاتها في عام 2019 مُسجلة نحو 12 مليار دولار. لكن الأزمة التي تفجّرت في نهاية عام 2019، أجبرت مصرف لبنان والمصارف على خفض معدلات الفوائد على ودائع الدولار إلى 0.97% في تشرين الثاني الماضي و2.91% على ودائع الليرة، أي أن كلفة الفوائد انخفضت في عام 2020 إلى 3.5 مليارات دولار مع فرق أساسي، أنه في عام 2020 باتت كل هذه الأموال عبارة عن دولارات محلية غير قابلة للسحب إلا على سعر المنصّة بقيمة 3900 ليرة لكل دولار مقابل أكثر من 8500 ليرة لسعر الدولار الحقيقي في السوق.
كذلك تقلّصت الودائع بالليرة في الفترة من عام 2011 إلى عام 2020، فانخفضت قيمتها من 55 ألف مليار ليرة في أوّل عام 2011 إلى 41.5 ألف مليار ليرة في نهاية عام 2020. هذه الودائع وفوائدها كانت تتحوّل إلى الدولار بفعل «معجزة» الدولرة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا