في 8 كانون الثاني الماضي، وصل سعر وحدة الـ”بيتكوين“ إلى 41 ألف دولار، وهو أعلى سعر سجّلته هذه العملة الرقمية تاريخياً. ففي ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، التي كشفت العيوب الكثيرة للنظام الرأسمالي العالمي، وجد المستثمرون ملاذاً آمناً في ”البيتكوين“ لحفظ قيمة ثرواتهم بدلاً من الدولار والأسواق المالية وحتى الذهب. هذا الارتفاع الهائل بالسعر يدلّ على ارتفاع الطلب على هذه العملة، ما يعني أن هناك اتجاهاً عاماً في الأسواق للاستثمار فيها. ويتزامن هذا الأمر مع حالة عدم الاستقرار في الأسواق العالمية، ومع النقاش الجاري بشأن عملية خلق النقد في الولايات المتحدة الأميركية والتأثير المحتمل لاستعمال هذه الأداة بشكل مفرط على قيمته.


الـ”بيتكوين“ هي عملة رقمية، خلقت في شهر كانون الثاني من عام 2009 بعد الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في نهاية عام 2008، على يد شخص غير معروف يدعى ”ساتوشي ناكاموتو“. وبحسب مشروع هذا الشخص الغامض، فإن الهدف الأساسي من هذه العملة الرقمية هو خلق نظام مالي لامركزي لا حاجة فيه إلى وجود الوسطاء الماليين مثل المصارف والمصارف المركزية. وهذه العملة قائمة على تقنية الـ”بلوكتشاين“ التي تقوم بتسجيل وتحويل كل المعاملات المالية (وهو دور المصارف)، كما تتحكّم بشكل ذاتي بحجم الكتلة المعروضة من هذه العملة (وهو دور المصارف المركزية).
في الأشهر الأربعة الأخيرة، شهدت الـ”بيتكوين“ ارتفاعاً سريعاً في قيمتها بنسبة 400%، إذ إن سعرها ارتفع من 10000 دولار في أول تشرين الأول إلى 40 ألف دولار في الأيام الأخيرة. لكن هذه ليست المرّة الأولى التي يشهد فيها سعر هذه العملة ارتفاعاً مفاجئاً، ففي نهاية عام 2017 شهدت ارتفاعاً بنسبة 220% خلال الفترة الممتدة بين أول تشرين الثاني (6300 دولار) ومنتصف كانون الأول (20000 دولار)، إلا أنها سجلت انخفاضاً سريعاً حتى بلغت قيمتها بحلول شهر نيسان عام 2018 نحو 8000 دولار، أي انخفاضاً بنسبة 50%.
المفارقة في الارتفاع الحالي تكمن في أن المستثمرين الماليين الكبار لجأوا إليها. وبات هناك أصوات من داخل ”وول ستريت“ تتحدث عن هذا الأمر بشكل علني، مثل مالك صندوق ”تودر للاستثمارات“ الذي يدير محفظة تبلغ 38 مليار دولار، وهو قال: ”من المحتمل أن يرفع الصندوق حصة الـ”بيتكوين“ من استثماراته، إلى نسبة تزيد على 1%، (أي 380 مليون دولار)“. كما أن ”ستانلي دراكنميلير“، وهو ملياردير من مستثمري ”وول ستريت“، يقول إن الـ”بيتكوين“ قد تصبح أداة لحفظ الأرباح مثل الذهب.
هذه المواقف من ”وول ستريت“ بمثابة مؤشّر عن توقعات المستثمرين بأن هذه العملة قادرة على المحافظة على قيمتها الحالية.
رغم ذلك، هناك مخاطر كثير متعلّقة بالاستثمار في الـ”بيتكوين“. فهي لم تصبح بعد ”عملة“ بالمعنى الحقيقي للمصطلح، وهناك الكثير من الأماكن في العالم التي لا تقبل الدفع من خلالها. وهي الآن ليست أكثر من سلعة يستثمر بها بهدف الربح أو حفظ القيمة، وهذا ما يجعلها عرضة، مثل أي سلعة أخرى، لقوانين العرض والطلب، ولكن الفرق بينها وبين السلع الأخرى هو أن لا موجودات ماديّة تدعم قيمتها. فالذهب أو الفضة أو النحاس سلع ماديّة، لها استعمالاتها، وقيمتها تتأثر بالعرض والطلب، لكن الطلب عليها يأتي من استعمالات حقيقية. أما الـ”بيتكوين“ فطالما هي ليست عملة معتمدة عالمياً، ولا حتى بمناطق جغرافية محددة، فإن الطلب عليها لا ينبع من الحاجة إلى استعمالها، إنما فقط من التجارة بها. فضلاً عن أنه لا قوانين مالية تنظّم عمليات التجارة بالـ”بيتكوين“، على نسق تلك التي تنظّم عمليات التجارة في الأسواق المالية، مثل قوانين التلاعب بالأسواق. وهذا الأمر يمكن أن يمثل خطراً على المستثمرين الصغار، الذين قد يقعون ضحايا عمليات تجارية كبيرة لـ”حيتان“ الـ”بيتكوين“ الذين يمتلكون حصصاً كبيرة جداً من سوقها تعطيهم القدرة على التلاعب بسعرها. وأخيراً، هناك مخاطر أخرى تتعلق بمدى سماح الدول للتداول بها، فمثلاً إذا قررت الولايات المتحدة أن تمنع التداول بهذه العملة، وقرّرت دول عدّة اللحاق بها في اتخاذ هذا القرار، فسيؤدي هذا الأمر إلى تدهور قيمتها حيث سيهرع المستثمرون لبيعها.