عندما جرى تيويم خطّة الكهرباء في آذار 2019، ادّعت وزارة الطاقة أن تحرير تعرفة الكهرباء سيخفّض الكلفة الشهرية التي يدفعها المستهلك للحصول على التيار الكهربائي من مؤسسة كهرباء لبنان ومن مولّدات الأحياء بين 10.7% لكبار المستهلكين و14.5% لصغار المستهلكين. يومها قالت الخطة إن رفع تعرفة استهلاك الكهرباء التي تنتجها مؤسسة كهرباء لبنان، من متوسط 138 ليرة إلى 217 ليرة، سيكون أقلّ من مجموع ما يدفعه المستهلك في تلك الفترة.

وبحسب الأرقام المتوافرة من مؤسسة كهرباء لبنان، والواردة في خطّة الكهرباء التي عُرضت على مجلس الوزراء آنذاك في الخطة، فإن الشريحة الأقل استهلاكاً ستدفع شهرياً نحو 130 ألف ليرة في المتوسط أو ما يوازي 19.2% من الحدّ الأدنى للأجور، بينما ستدفع الشريحة التي تليها 230 ألف ليرة شهرياً في المتوسط أو ما يوازي 34% من الحدّ الأدنى للأجور. كذلك تشير إحصاءات المؤسسة إلى أن 74.8% من المشتركين في كهرباء لبنان يستهلكون أقلّ من 920 كيلوات ساعة شهرياً، وقدرة الاشتراكات لديهم لا تتجاوز 20 أمبيراً، بينما الشريحتان نفسهما لديهما قدرات اشتراك مع المولدات لا تتجاوز 10 أمبيرات.


هاتان الشريحتان هما الأقل استهلاكاً وهما تمثّلان العدد الأكبر من المشتركين. في ذلك الوقت، وبحسب البيانات الصادرة عن وزارة الطاقة، فإن كلفة الاشتراك في مولّدات الأحياء كانت تبلغ 405 ليرات لكل كيلوات ساعة و15 ألف ليرة ثابتة لكل 5 أمبيرات مقارنة مع 300 ليرة في عام 2018 و12 ألف ليرة ثابتة لكل 5 أمبيرات.
لكن وزارة الطاقة التي تحدّد كلفة الاشتراك الشهري في المولدات عمدت منذ تموز 2020 إلى زيادة تعرفة المولدات إلى 591 ليرة لكل كيلوات ساعة وزيادة البدل الثابت إلى 20 ألف ليرة لكل 5 أمبيرات و30 ألف ليرة للـ10 أمبيرات، أي بنسبة زيادة بلغت 46%. في الترجمة العملية بمعنى آخر، إن الكلفة التي تتكبّدها هاتان الشريحتان صارت تبلغ 151 ألف ليرة للشريحة الأولى التي ينضوي فيها أكثر من 375 ألف مشترك، و260 ألف ليرة للشريحة الثانية التي ينضوي فيها أكثر من 259 ألف مشترك.
انعكاس هذه الزيادة يتجاوز الحدود التي رسمتها وزارة الطاقة في خطّتها في آذار 2019 لتحرير تعرفة الكهرباء بالاستناد إلى مختلف مصادر التغذية بالتيار الكهربائي التي يحصل عليها المستهلكين. والمفارقة أن الزيادة على تعرفة المولدات جاءت رغم انخفاض أسعار المازوت التي تمثّل النسبة الأهمّ والوزن الأكبر في احتساب تعرفة المولدات. ففي بيانات الوزارة لتحديد هذه التعرفة الشهرية تقول الآتي: «التعرفة مبنية على أساس سعر وسطي لصفيحة المازوت بقيمة 15142 ليرة، وبعد احتساب كلّ المصاريف والفوائد وأكلاف المولدات، بالإضافة إلى هامش ربح جيّد لأصحابها».
عملياً، انخفض سعر صفيحة المازوت من الحدّ الأقصى الذي بلغه في أيار 2019 حين سجّل 18950 ليرة لكل صفيحة، إلى 15142 في تشرين الأول 2020.
واللافت أيضاً، أن وزارة الطاقة كانت تقول في خطّتها إن سعر التعرفة سيكون سعراً متساوياً بحسب شرائح المستهلكين، وإنه سيكون مربوطاً بسعر المشتقات النفطية. تعرفة الـ217 ليرة لكل كيلوات، كانت محتسبة على أساس سعر البرميل بقيمة 66 دولاراً مقارنة مع التعرفة الحالية البالغة 138 ليرة لكل كيلوات على أساس سعر البرميل 20 دولاراً.
يجري تبرير هذه الزيادة في تعرفة المولدات الخاصة بأنها مرتبطة بانفلات سعر الصرف في السوق وتداوله بسعر يُراوح بين 7000 ليرة و8000 ليرة وباعتبار أن المولدات بحاجة إلى صيانة وغيار زيت وقطع تشتريها بالدولار السوقي. وقد استعمل أصحاب المولدات هذا الأمر كذريعة للضغط على وزارة الطاقة من أجل رفع التعرفة والتهديد بقطع التيار عن المنازل في وقت كان الطلب في ذروته صيفاً في حزيران الماضي وكانت معامل الإنتاج في الكهرباء في أسوأ حالاتها. لا بل نفّذوا تهديداتهم خلال الصيف الماضي وأوقفوا تشغيل المولدات بحجّة انقطاع المازوت من السوق.
والأسوأ من ذلك، أن وزارة الطاقة خضعت لتهديداتهم، بينما لا يزال موضوع تحرير تعرفة الكهرباء الرسمية جاثماً فوق الأسر ربطاً بكونه واحداً من أهم مطالب صندوق النقد الدولي كشرط أساسي لإقراض لبنان. أي إن زيادة التعرفة في ظل التطورات التي طرأت على سعر الصرف ومطلب الصندوق، ستكون قاسية جداً على المستهلكين وقد تأكل القسم الأكبر من مداخيل الأسر الفقيرة. حالياً، يدفع المستهلكون تعرفات باهظة من أجل الحصول على تيار كهربائي غير منتظم ويخضعون لابتزازات وتهديدات أصحاب المولدات المدعومين من الأحزاب وأصحاب النفوذ في المناطق. ومفاعيل تحرير التعرفة ستتحوّل إلى أعباء ضخمة على الأسر الفقيرة التي باتت نسبتها تفوق الـ50%، وهي لم تتلقّ أي زيادة على مداخيلها بعد.
لذا، فإن هذه المواجهة يجب أن تكون على أساس زيادة الأجور. تحرير تعرفة الكهرباء لا بدّ أن يأتي مترافقاً مع زيادة في الأجور تساوي التضخّم الذي أكل الأجور. لا يفترض الخضوع لهذه السلطة التي تعتقد أن أولوياتها وجهودها تنصبّ على الخضوع لمافيات المولدات من جهة، ولقوى النفوذ الدولي من جهة ثانية. فقد خضعت وزارة الطاقة لأصحاب المولدات رغم حصولهم على المازوت بالسعر المدعوم ورغم انخفاض السعر العالمي، وهي كانت قد اتخذت قراراً بزيادة التعرفة انسجاماً مع مطلب صندوق النقد الدولي.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا