في الجلسة الأخيرة للمجلس المركزي في مصرف لبنان، لم يكن هناك ممانعة حقيقية من أعضاء المجلس تجاه المبرّرات التي قدّمها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في اتجاه تجفيف السيولة. فكرة «التجفيف» كانت تراود معظمهم، فوافقوا سريعاً على أمرين: إجبار التجّار على إيداع الأموال نقداً بالليرة لتمويل استيراد مموّل (مدعوم) بدولارات مصرف لبنان، والتوقف عن منح السيولة النقدية بالليرة للمصارف إلا بشرط حسمها من شهادات الإيداع بالليرة الصادرة عن مصرف لبنان ذات الأجل الطويل والفوائد الأعلى (7%).

أما المبرّرات التي ساقها سلامة فهي على نوعين: الأول بأن المصارف سحبت في الأيام العشرة الأولى من الشهر الجاري، 1300 مليار ليرة من الأوراق النقدية التي يصدرها «المركزي». هذا المبلغ هو المعدّل الذي كانت تسحبه المصارف شهرياً منذ مطلع السنة الجارية. ثم أبلغهم أيضاً، بأنه «يبحث عن 22000 مليار ليرة فلتت في السوق». كان يقصد بهذا المبلغ، الأوراق النقدية الجديدة التي ضخّها في السوق، والتي باتت تغذّي عمليات مضاربة على الليرة تقوم بها مصارف وصرافون ومؤسسات وأفراد، وهي تشكّل طلباً على الدولار يجب العمل اليوم على إيقافه. أو على الأقل يجب إيقافه طالما أن رئيس كتلة المستقبل النيابية سعد الحريري مرشّح لرئاسة الحكومة وهو متمسّك بسلامة.


عملياً، لم يحصل نقاش حقيقي في هذه المسألة وتداعياتها. فلم يُسأل الحاكم عن أهداف هذه التقلبات في السياسة النقدية من طرف التوسّع في السيولة، إلى طرف معاكس تماماً لتقييد حركتها. ولم يُسأل أيضاً عن عدم رغبته في استعمال أدوات أخرى لكبح جماح السيولة التي سبق له أن أفلتها في السوق، أو إذا كان بإمكانه استعمال الفائدة لاستقطاب هذه السيولة. ولم يُسأل أيضاً عن عدم استثناء الرواتب والأجور من قرار تجفيف السيولة، فهذه الكتلة النقدية هي العنصر الوحيد في هذه المعركة التي لها وجود حقيقي في الاقتصاد ومقابلها عمل وقيمة مضافة وليست وهماً كالذي خلقته «شركة سلامة وأخوانه للربح السهل والسريع». بمعنى آخر، كانت جلسة المجلس المركزي الأخيرة عبارة عن محطّة روتينية لممارسة التجارب على «فئران المختبر». لا بل إن المشكلة في عقل هؤلاء الذين يدّعون بأنهم نخبة المال والقانون (سلامة وأخوانه) بأنهم يوافقون على ممارسات تبسيطية للأزمة وأن سلامة يفاجئهم في كل رقم يحمله إلى الجلسة لتبرير سلوكه وممارساته. لا يعلمون شيئاً سوى ما يريد أن يعلمهم به. حتى إنه لا يطرح أمراً مهماً على جدول الأعمال، بل غالباً ما تترك الأمور المهمة من خارج الجدول.
هذه هي الزاوية التي يطل منها سلامة على الأزمة. بالنسبة إليه، المسألة تتعلق بمصرف لبنان والمصارف حصراً والخسائر أو الفجوة بينهما. التداعيات خارج هذه الحلقة ليست مهمة. فها هو يطبع الأوراق النقدية، ويغذّي تضخّم الأسعار بما فيها سعر الصرف (هكذا اتهمه مدير بعثة التفاوض مع لبنان في صندوق النقد الدولي في إحدى الجلسات) ولم يرف له جفن بأن ترتفع أسعار الغذاء خلال الأشهر الثمانية الأخيرة، بمتوسط يبلغ 170%، لكنه في لحظة ما يبحث فيها عن 22000 مليار ليرة (ليس مبلغاً بسيطاً يمكن ألا تنتهي إليه) قرّر أن يوقف تجارب التوسّع، وأن يعيد النظر في الاتجاه المعاكس.
بهذا المعنى، ليس وارداً إجراء تعديل في ممارسات الحاكم النقدية والتي لا ترتقي إلى «سياسات»، خارج الإطار الذي رسمه لخطّة تقليص فجوة الخسائر مع المصارف. فما كان يقوم به أصلاً عندما ضخّ السيولة، هو تمويل إطفاء الالتزامات بالدولار المتوجبة عليه تجاه المصارف بليرات جديدة. كل دولار عالق في المصارف يقابله دولار عالق للمصارف في ذمّة مصرف لبنان، إلى أن قرّر هذا الأخير تسديد الدولار بسعر 3900 ليرة. كذلك تبيّن أنه باع المصارف دولارات مقابل حسم شهادات إيداع بقيمة 2800 مليار ليرة حتى تورّمت نسبة السيولة النقدية تجاه الودائع من 10٫8% في تشرين الأول 2019 إلى 52٫3% في تموز الماضي. هكذا ضخّت السيولة. هذا السلوك يخلق السيولة الإضافية تلقائياً، وهذه السيولة الإضافية تضرب الأسعار.
من الواضح أنه لا يمكن الاستمرار بمسار ضخّ السيولة الإضافية في السوق، لكن سلامة بات أسير لعبته. ففي ظل إصراره على رفض تطبيق خطة التعافي الحكومية، أو أي نموذج ينطلق من المسار الذي رسمته هذه الخطة، أي ما يتضمّن اعترافه بحجم الخسائر الكبيرة وبآليات إطفائها من خلال إطفاء قسم كبير من ودائع كبار المودعين، لم تعد لديه أي وسائل إضافية لجذب السيولة. فالمصارف مفلسة تقنيّاً، وبالتالي لا يمكن استعمال الفائدة لجذب السيولة إليها، ومنها إليه، لأنه لا يوجد شخص واحد في لبنان يثق بالمصارف. الأداة الوحيدة المتوافرة لديه، هي الأدوات السلطوية، أي القرارات والتعاميم. لذا ترقبّوا مزيداً من القرارات والتراجع عنها. سمّوه ما شئتم: تخبطاً أو إرباكاً أو غباءً أو أياً يكن، لكن أوقفوه بأيّ ثمن قبل أن يدمّر ما تبقّى من المجتمع.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا