تشير إحصاءات الجمارك اللبنانية إلى أن العجز التجاري انخفض في الأشهر الخمسة الأولى من السنة الجارية بنسبة 59% مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية. وقد نجم ذلك بشكل أساسي عن انخفاض كبير في الواردات من 8.75 مليارات دولار في نهاية أيار 2019 إلى 4.34 مليارات في نهاية أيار 2020، بينما شهدت الصادرات نوعاً من الاستقرار النسبي إذ كانت 1.4 مليار دولار في نهاية أيار 2019 ثم أصبحت 1.33 مليار دولار في نهاية أيار 2020.

إذاً، تقلّص الاستيراد في الأشهر الخمسة الأولى من السنة الجارية بقيمة 4.4 مليارات دولار، أي بانخفاض نسبته 50.4% عن الفترة نفسها من السنة الماضية متأثّراً بالأزمة المالية والنقدية والصرفية التي يشهدها لبنان والتي انعكست على سلوك المستهلك بشكل واضح. ولا يجب إغفال حقيقة أن إحصاءات الجمارك، عدا كونها معطيات إحصائية تصدر متأخّرة بضعة أسابيع، إلا أنها أيضاً تعكس قرارات اتخذها المستوردون قبل بضعة أشهر بناءً على تقديرات تتعلق بتوقعاتهم للاستهلاك في ظل الظروف العامة التي قد تسهّل أو تعترض عملية الاستيراد مثل التمويل بالدولارات، وقت وصول البضائع، تحضير الطلبيات في بلد المنشأ، تخليص البضاعة من المرافئ الحدودية، عرض البضائع على المستهلك… كل تلك العوامل تلعب دوراً في إظهار النتائج الآنية للتغير الحاصل في نمط الاستهلاك. بمعنى آخر، إن ما نشهده من حركة استيراد لا يعكس بالضرورة الواقع الآني، بل ستكون هذه الإحصاءات معبّرة عن فترة سابقة بينما يكون التغيّر الفعلي في نمط الاستهلاك لشهر أيار، على سبيل المثال، حاصلاً بعد بضعة أسابيع.
عملياً، يُعزى التراجع في الاستيراد إلى أمرين:
- تراجع القدرة الشرائية لدى المستهلك بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية، علماً بأن المستوردين يعتمدون على هذه الدولارات للحصول على تمويل شراء السلع من الخارج.
- الإقفال والتعبئة العامة اللذان فُرضا على لبنان والكثير من الدول بسبب جائحة كورونا. ففي هذه الفترة اقتصر الاستهلاك على السلع الضرورية والأساسية بالتوازي مع انعكاس ارتفاع سعر الصرف على أسعار هذه السلع.
ثمة أمر آخر يؤخذ في الحسبان في ظل هذه الظروف بالتحديد، وهو أن الاحتكارات التجارية تلعب دوراً في رفع الأسعار بهدف تعويض التراجع في المبيعات وتعويض التدني الكبير في رأس المال. ففي ظلّ التسارع في انهيار سعر صرف الليرة، يلجأ التجّار إلى آلية توقعات وتقديرات لأسعار الصرف المستقبلية يتم على أساسها تسعير السلع حتى لا تتناقص قدرتهم على إعادة تكوين مخزوناتهم. والمشكلة أنه كلّما تناقص المخزون، بات ملحاً للتجّار تحويل الأثمان المقبوضة بالليرة اللبنانية والتي تفقد قيمتها بسرعة إلى دولارات… هذا الأمر يزيد في تسارع انهيار سعر الليرة والتخلّي عنها، ويخلق تسارعاً مماثلاً في الطلب على الدولار أيضاً. وبالتوازي أيضاً يقوم المستهلكون بتخزين السلع التي يرون أنها تشكّل حاجة أساسية لهم في ظل هذا الانهيار، وهم يقومون بذلك خوفاً من ارتفاع الأسعار ولأنهم يعلمون أن التجّار يحجمون عن عرض السلع بهدف بيعها بأسعار أعلى.


هذه الدورة المغلقة من تسارع انهيار العملة وتضخّم الأسعار والتخزين على جبهتَي التجار والمستهلكين قد تزداد سوءاً، وهي تفرض على السلطة النقدية تغطية الحاجة الإضافية إلى النقد المتداول عبر طباعة كميات إضافية… إلا أن هذه الكميات سيكون لها أثر أساسي أيضاً في تسارع انهيار النقد.
في النتيجة، إن تسارع الانهيار يفرض على السلطات العامة التدخّل بأكثر من طريقة للحدّ منه، أبرزها عبر زيادة الأجور. خلافاً لترهات أصحاب العمل الذين يرفضون مباشرة الحديث عن زيادة الأجور بذريعة تقلّص حجم أعمالهم ومبيعاتهم، فإن هذه الزيادة هي العامل الأساسي في استعادة القوّة الاستهلاكية، وبالتالي في إعادة تنشيط الاقتصاد. هذه الزيادة، بمعزل عن ضرورتها الاجتماعية، هي ضرورة اقتصادية أولاً، وحصولها أمر لا بدّ منه من أجل إعادة التوازن إلى السرعة بين التضخّم وانهيار العملة والمداخيل. عندما يحصل التوازن، فإن مفاعيل التضخّم ستكون بحكم الملغاة.
طبعاً، يتطلب الأمر مجموعة إجراءات أخرى متعلّقة بلجم تسارع انهيار الليرة وصولاً إلى وقفه، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن الانهيار ستكون له مفاعيل عميقة وطويلة المدى على أنماط الاستهلاك والاستيراد لأسباب متصلة بقدرة النظام المالي على تأمين الكمية الكافية من الدولارات للاستيراد. فأي استيراد نريد؟ وأي منتجات يجب استيرادها أو يحتاج إليها السوق فعلاً؟ هل ستبقى رفاهية الاستهلاك أمراً قائماً؟ ما هي حاجات كل طبقة اجتماعية وما قدراتها على تسديد الثمن؟ ما قدرة لبنان على تسديد ثمن كل هذا الاستيراد؟