بين أيلول 2019 وكانون الثاني 2020، سجّل بعض الأسعار ارتفاعات هي عبارة عن قفزات كبيرة سببها تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار في السوق السوداء وتجاوزه 2500 ليرة. فالدولارات المتوافرة في السوق هي التي تموّل استيراد الكثير من السلع المستهلكة محلياً، مثل: الفاكهة والخضر، السجائر، اللوم الطازجة والمبردة، الغاز المنزلي، المازوت للتدفئة، السلع الكهربائية المنزلية، النقل الجوي، السلع المستعملة في صيانة المساكن، السلع المتعلقة بالعناية الشخصية، المعلبات... كلها سلع ارتفعت أسعارها في الأشهر الأربعة الأخيرة من السنة الماضية. إدارة الإحصاء المركزي استخرجت من مؤشّر الأسعار الذي تعدّه دورياً، متوسط أسعار السلع الاساسية للتمييز بينها وبين مؤشّر الأسعار الذي يتضمن سلعاً وخدمات أخرى لها وزن وأثر كبير على المؤشر وأسعارها لم ترتفع، ما أدّى إلى طغيان نتائجها على نتائج ارتفاع أسعار السلع الأساسية.

لكن، ما هو أثر تضخم هذه الأسعار على المجتمع؟ بعض الإحصاءات تشير إلى أن حصّة هذه السلع تبلغ 45% من سلّة الاستهلاك وأن 85% منها مستورد، وأن انعكاس سعر صرف الليرة عليها يفوق 60%، ما يعني أن ارتفاع سعر الدولار إلى 2500 ليرة، أي بنسبة 65%، سيرفع معدلات تضخّم أسعار هذه السلع إلى 40%. والمهم في هذا الأمر، هو الأثر الذي ستتركه على الشرائح الاجتماعية. فكلما كانت الشرائح أقلّ دخلاً، ارتفعت نسبة إنفاقها على الغذاء والمسكن وسواها من الحاجات الأساسية. هذا يعني أن الفقراء هم أكثر الشرائح التي ستتأثّر بارتفاع الاسعار، وسيصبحون أكثر فقراً وعوزاً، وسينضمون إلى الفئة الأكثر حرماناً، وأن الطبقة المتوسطة ستتآكل مداخيلها بنسبة قد تدفعها نحو خطوط الفقر. تقديرات البنك الدولي أن 440 ألف عائلة في لبنان ستصبح ضمن خط الفقر الأعلى، أي إن نصف اللبنانيين سيقعون فريسة الفقر.

لأسعار ترتفع بسبب البنية الاحتكارية في الأسواق


لكن هذا الارتفاع الهائل في الأسعار يثير الريبة، وخصوصاً أن الكثير من أسعار السلع الغذائية الأساسية ازداد بأكثر من 100%، فيما غالبية أسعار السلع الواردة في الجدول الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي، سجّلت ارتفاعات كبيرة في الأسعار. وهذا الأمر ليس له ما يبرّره، وخصوصاً أن وزارة الاقتصاد قصّرت كثيراً في مواجهة هذا الأمر، ولا تزال مقصّرة أيضاً، فالأسعار ترتفع بسبب البنية الاحتكارية في الأسواق حيث تتركّز غالبية الاسواق بأيدي قلّة تسيطر عليها وتتحكّم فيها ويتفق بعضها مع بعض على رفع الأسعار. أما الوزارة، فلا تزال تتذرّع بأنها تحيل الكثير من محاضر الغشّ والتلاعب بالاسعار إلى القضاء فلا لا تصدر أحكام إلا على قلّة قليلة، لكن الواقع أن الوزارة لا تمارس رقابتها بسبب تمسّك وزراء الاقتصاد المتعاقبين بمراسيم تمنح التجّار حق الربح بنسبة 100%.