شهدت الأشهر الأخيرة من 2019 تهافتاً على شراء العقارات بهدف تهريب الودائع من المصارف خوفاً من ضريبة عليها (قصّ شعر Haircut)، أو إجبار المودعين على تحويل أموالهم إلى أسهم في المصارف لانتشالها من الإفلاس. أصحاب الودائع لم ينتبّهوا إلى الكمين المنصوب لهم بعنوان «العقارات ملاذ آمن». شراء العقارات، وخصوصاً المبنية، لا ينطوي على اقتطاع مستتر لأموالهم فحسب، بل هو استثمار مخاطره شديدة الارتفاع: غير قابل للتسييل، أسعاره ستنخفض، تأجيره أصعب، ينمو في فقاعة انتقلت مخاطرها من التجّار إلى الأفراد.


في 2019، بلغ عدد عقود البيع المسجّلة في الدوائر العقارية نحو 45 ألفاً، وبلغت قيمة الأثمان المصرّح عنها في هذه العقود نحو 9687 مليار ليرة (6.4 مليار دولار على سعر الصرف في مصرف لبنان)، فيما بلغت قيمة الرسوم المستوفاة من هذه العقود نحو 427 مليار ليرة (283 مليون دولار). وكان لافتاً أن المسار الانحداري لعقود البيع العقارية والأثمان المصرّح عنها الذي بدأ في السنتين الماضيتين تعافى فجأة اعتباراً من آب 2019. فالقيود المقنّعة التي فرضتها المصارف على عمليات السحب والتحويل اعتباراً من منتصف 2018 بشكل هامشي ومتواضع، بدأت تزداد قساوة وتصبح معلنة أكثر فأكثر، ما ضرب ثقة المودعين بالمصارف، ودفعهم إلى تحويل أموالهم إلى الخارج أو سحبها نقداً خوفاً من حصول «هيركات». ومع بلوغ السقف الأقصى لهذه القيود، علقت ودائع في القطاع بقيمة تفوق 160 مليار دولار. بعضهم لجأ إلى «مخرج» شراء العقارات كوسيلة لتهريب الأموال بالاستناد إلى مقولة كان يروّج لها المصرفيون وتجار العقارات عن أن «العقار في لبنان ملاذ آمن».
في ظلّ القيود المفروضة على السحب والتحويل ووجود سعرَين لصرف الليرة مقابل الدولار، فإنّ عمليات الاقتطاع من الودائع تحصل يومياً. وما هو متاح للمودعين اليوم، هو أن يسحبوا ودائعهم بشيكات مصرفية محصور تداولها محلياً، سواء كانت بالدولار أو بالليرة. كذلك متاح سحب الأموال النقدية بالليرة وبالدولار ضمن سقوف دنيا. وفي المقابل، تجّار العقارات مدينون للمصارف، ما أفسح لهم المجال لقبول ثمن العقارات بواسطة الشيكات بالدولار مقابل إلغاء الحسومات التي كانت تصل إلى 45% من السعر المطلوب. كذلك وافقوا على تسديد الثمن بالليرة اللبنانية على أساس سعر الصرف في السوق الموازية، أي أدنى بـ30% من قيمة سعر الصرف الثابت. المصارف بدورها وافقت مع تجار العقارات على تسديد ديونهم بشيكات بالدولار أو بالليرة التي يتم تحويلها في المصرف إلى دولارات بالسعر المثبت من مصرف لبنان. هذه كانت الخديعة الأولى التي تعرّض لها المودعون وخسروا الكثير فيها.
أما الخديعة الثانية، فهي متعلقة بمخاطر شراء العقار:
ــ في أوقات الأزمات، يعدّ امتلاك العقار أحد أكثر الأصول التي يصعب إعادة بيعها وتسييلها.
ــ أسعار العقارات آيلة إلى الانخفاض حتى بعد ارتفاعها الآني الناتج من طلب غير مبرّر بحاجة السكن. عند انتهاء هذه الموجة، ستبدأ مرحلة ركود تستمرّ لفترة طويلة نسبياً. فعندما أوفى بعض التجّار ديونهم للمصارف، أوقفت المصارف قبول تحويل الليرة إلى دولار بالسعر الرسمي، وهؤلاء لم يعودوا بحاجة إلى شيكات المودعين الدولارية فعمدوا إلى تعليق البيع إلّا مقابل المبالغ الورقية، ورفع الأسعار. هم يعملون مثل مصاصي الدماء الذين لا يتوقفون إلا بعد حصولهم على قطرة الدم الأخيرة من الزبون.
ــ الفقاعة العقارية الناجمة عن تورّط التجّار في الاستدانة من المصارف بأكلاف مدعومة لتشييد شقق لا حاجة للسوق لها، ستبقى قائمة وإنما سينتقل جزء من مخاطرها كان على عاتق التجار والمصارف، إلى أفراد استعملوا مدّخراتهم وودائعهم لشراء «الملاذ الآمن». هذه الفقاعة ستنفجر عاجلاً أم آجلاً.
ــ بسبب انتقال عدد كبير من ملكية العقارات السكنية والتجارية إلى أفراد، سيكون هناك تنافس جدّي على التأجير، ما سيخفض أسعار الإيجارات أيضاً، وبالتالي سيكون المردود المتوقع من الاستثمار العقاري ضعيفاً للغاية.
لن تعود أسعار العقارات إلى الارتفاع قبل تعافي الاقتصاد، وهو مسار قد يأخذ وقتاً طويلاً يمتدّ لسنوات، ما يعني أنه لن يكون بإمكان الذي استثمر في شراء العقارات استرداد قيمة رأس ماله إلّا بعد سنوات، وهذا أسوأ من مفعول «إعادة جدولة الديون» التي تتيح تأجيل تسديد أصل المبالغ وخفض فائدتها، ففي حالة العقار فإنّ الاقتطاع يصيب رأس المال.