يمرّ القطاع المصرفي اللبناني، اليوم، بأحد أشدّ الأزمات منذ تأسيسه. في 30 حزيران 2019، بلغت نسبة القروض المتعثّرة لدى المصارف 14% مسجّلة ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة مع كانون الأول 2018 يوم كانت هذه النسبة تبلغ 10%. يشير هذا الارتفاع إلى مسار تصاعدي في القروض المتعثّرة، وخصوصاً مع دخول اقتصاد لبنان في مرحلة الركود وما تحمله من ارتفاع في معدلات البطالة. هناك تقديرات تشير إلى أن القروض المتعثّرة سترتفع إلى 18% أو ما تبلغ قيمته 12 مليار دولار. هذا المبلغ يوازي نصف الرساميل الأساسية للمصارف (Tier 1 Capital).

أركاديو اسكيفيل ــ كوستاريكا

يضاف إلى ذلك انكشاف المصارف اللبنانية على دين لبنان السيادي (سندات اليوروبوندز) الذي خسرت بعض إصداراته نحو 60% من قيمته السوقية، فضلاً عن أن المصارف تحمل في محفظتها شهادات إيداع بالدولار صادرة عن مصرف لبنان بقيمة 22.9 مليار دولار (تقرير جمعية المصارف لغاية تشرين الثاني 2019). إذا افترضنا شطب القروض المتعثّرة وإعادة تقييم الأصول بحسب أسعارها السوقية، فقد تخسر المصارف ما يوازي كامل رساميلها الأساسية. ومن تبعات هذا الأمر، أن يتحوّل القطاع المصرفي إلى ما يسمّى zombie banks، أي مصارف شبه ميتة غير قادرة على الإقراض.
ومن المشاكل الأخرى التي تعاني منها المصارف، بوضعها الحالي، تضخّمها غير المنطقي نسبة إلى حجم الاقتصاد اللبناني. فبحجم أصول يبلغ 250 مليار موزّعة على 65 مصرفاً، يصبح حجم القطاع موازياً لخمس مرات حجم الناتج المحلي اللبناني. وإذا أضفنا إلى ذلك، انكشاف القطاع على القروض المتعثّرة وقروض القطاع العام ذات المخاطر المرتفعة للتخلّف عن السداد، نرى حجم الأزمة الهائل الذي يستوجب دعماً خارجياً ضخماً.

إعادة هيكلة ورسملة
ليس مستغرباً أن معظم الخبراء الاقتصاديين والماليين، إن لم يكن جميعهم، يطالبون بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإعادة رسملته. ويبدو أن هناك شبه إجماع على وجود حاجة لإعادة هيكلة ورسملة القطاع المصرفي من دون أيّ وضوح متصل بكيفية تطبيق ذلك على أرض الواقع.
إحدى أكثر الطرق شيوعاً لزيادة رساميل المصارف المتعثّرة، هي الضخّ المباشر للأموال في رؤوس أموالها. ومع ذلك، فإن الحالات المماثلة تاريخياً في بلدان أخرى كاليابان وإيرلندا والهند، تُظهر أن اتّباع حلّ كهذا وحده قد لا يكفي لمعالجة الأزمة. ففي أكثر الأحيان، يتبع ضخّ رأس المال في المصارف المتعثّرة، عمليات ضخّ رؤوس أموال لاحقة، إذ يتبيّن لصانعي القرار أن المبالغ الأوّلية، لأيّ سبب كان، غير كافية لإعادة رسملة المصرف بما يكفي لإعادة إحياء أنشطته. كذلك، فمن المرجّح أن تؤدي عمليات إعادة الرسملة غير المشروطة إلى ما يسمّى بالخطر المعنوي (Moral Hazard)، ما يعني تفلّت إدارة المصارف والمساهمين فيها من المساءلة على تهوّرهم أو سوء إدارتهم الذي أسهم في حصول الأزمة.
شطب القروض المتعثّرة وإعادة تقييم أصول المصارف بحسب أسعارها السوقية يؤدي إلى خسارتها كامل رساميلها الأساسية


ومن الأساليب الأخرى تحويل الأصول السيئة إلى «مصرف تحصيل الديون المتعثّرة» أو ما يُعرف بـ«المصرف السيئ»، وهو مصرف مصمّم خصيصاً، وعادة تنشئه الدولة لحمل الأصول العقيمة والقروض المتعثّرة. في هذه الحالة، تبيع المصارف أصولها العقيمة للمصرف السيئ بالقيمة السوقية، أو بسعر مخفّض، وتحتفظ لنفسها بالأصول الجيدة. سيقوم هذا البنك السيئ بإدارة تلك الأصول والقروض محاولاً تحصيل كل ما يمكن تحصيله منها. ومع ذلك، هذا الأمر لا يأتي من دون تعقيدات، لأن إنشاء مصرف كهذا قد يكون مكلفاً للغاية، فضلاً عن أن استرداد الأصول بهذه الطريقة يستغرق سنوات عدّة ما يزيد الأكلاف التشغيلية. كذلك، يتبيّن أن المصارف السيئة، تميل إلى دفع أرقام مُبالغ فيها للمصارف عند شراء الأصول السامة منها، علماً بأن أصول هذه المصارف تتشكّل من الأصول العقيمة للمصارف التي تشمل شهادات الإيداع وسندات اليوروبوندز.
يمكن أن تشكّل عمليات الدمج القسري أداة مهمةً في عملية إعادة هيكلة المصارف، ولا سيما لجهة تضخّم عدد المصارف في لبنان حيث يعمل 65 مصرفاً. يمكن لمصرف لبنان أن يجبر بعض المصارف الضعيفة على الاندماج. لكن بسبب انتشار الأصول العقيمة في معظم المصارف، فإنّ القيام بالدمج وحده سيؤدي إلى مصارف أكبر لديها لكن بنفس تركيبة الأصول العقيمة. لذلك فإنّ الدمج وحدَه قد لا يكفي لحل الأزمة.


هنا نصل إلى الخيار الرابع: التسليم لقوى السوق وترك المصارف الضعيفة تفشل طبيعياً. إن هذا الخيار عادلٌ بحق المساهمين الذين كانوا على درايةٍ بالمخاطر. من العدل أن يتحمّلوا عواقب سوء إدارتهم. مع التدخّل فقط لحماية صغار المودعين. لكن رغم ذلك، فإنّ السوابق في بلدان أخرى تظهر أنّ خياراً كهذا يأتي بتبعات كارثية على الاقتصد كما حصل مع «ليمان برذرز»، ما يثير التساؤل عما يمكن أن يحصل في بلد مثل لبنان كان يعتمد على القطاع المصرفي كأحد أكثر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد.

وضع يد مصرف لبنان على المصارف
الخيار الخامس هو أن يضع مصرف لبنان يده على المصارف بشكل مؤقت. لهذا الحل ميزات عديدة أهمها تسهيل تنفيذ كلّ التدابير السابق ذكرها في إطار موحّد بهدف إنقاذ النظام المالي وليس إنقاذ المصارف بحد ذاتها. ومن فوائد وضع اليد على المصارف هو تسهيل التعامل مع الدين السيادي وهو في غالبيته دين داخلي للمصارف. إن دفع هذه الاستحقاقات للمصارف التي وُضع أيد عليها يأتي بمثابة نقل للأموال من جيب إلى آخر. ومع مرور الوقت وخاصةً عند تحسّن وضع القطاع، قد تستفيد المالية العامة عبر عمليات اكتتاب عام. أضف إلى ذلك، أن اعتماد هذا الخيار، لا يُعفي مديري المصارف من تحمّل مسؤولية أخطائهم وسوء إدارتهم، وكذلك أصحاب المصارف الذين سيفقدون قيمة أسهمهم. ومن أهم فوائد سلوك هذا الطريق، هي القدرة على تغيير طريقة عمل المصارف بعد السيطرة عليها، علماً بأن أحد أهمّ أسباب الأزمة هي طريقة عمل المصارف الحالية التي تعتمد على إقراض الدولة بفوائد خيالية على حساب الإقراض للأنشطة الاقتصادية.
نحن بين خيارات أحلاها مرّ ومن سخرية القدر أن يكون أفضل آمال إنقاذ قطاع مصرفي خاص هو وضع اليد عليه أو على جزء منه


لا فائدة لأيّ من الحلول السابقة من دون تغيير جذريّ في أسلوب عمل المصارف.
ولكنّ تأميم المصارف له سلبياته؛
ــ أولاً، نظراً لضعف الحوكمة في المؤسّسات الحكومية اللبنانية، فقد تؤدّي عملية وضع اليد، إلى إدارة المصارف بطريقة مماثلة لتلك التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم. لذلك، من المهم أن تُدار المصارف كأنها مؤسّسات تابعة للقطاع الخاص، من دون أي تدخّل سياسي.
ــ ثانياً، من المحتمل أن تثقل هذه العملية كاهل القطاع العام بقطاع مصرفي منهك للغاية. لكنّ انهيار القطاع المالي سيأتي بنتائج كارثية على الاقتصاد، وخصوصاً أن اقتصاد لبنان يعتمد بشكل مفرط على القطاع المصرفي. لذلك فإنّ العبء واقع لا محالة بغض النظر عمّا إذا قام مصرف لبنان بوضع اليد على القطاع أم لا.
نستنتج من ما سبق، إن لكلّ أساليب إعادة الرسملة والهيكلة مخاطر، ومن المرجّح أن تكون أي خطة جدية لإعادة الرسملة وإعادة الهيكلة مزيجاً من جميع الأساليب المذكورة أعلاه.
هذه واحدة من هذه التركيبات المحتملة:
1. أن يُفرض على جميع المصارف إعادة تقييم أصولها بشكل واقعي وبحسب قيمتها السوقية الحالية.
2. بعد ذلك، يمكن إعادة رسملة المصارف القابلة للاستمرار (إن وجدت) من خلال ضخّ رأس مال جديد، لكن يجب أن لا يكون أي ضخّ للأموال مجانياً، بل مقابل أسهم يتملّكها مصرف لبنان حفاظاً على المال العام. إضافةً إلى تحويل أصول المصارف السيئة إلى «المصرف السيئ».
3. يجب على مصرف لبنان أن يستحوذ مؤقتاً على المصارف غير القابلة للاستمرار بهدف دمجها وتقليص حجمها، إضافةً إلى بيع عملياتها وفروعها في الخارج إن وجدت. وبحسب سوء وضع تلك المصارف، فقد يضطر إلى تصفيتها مع حماية حقوق صغار المودعين. أما بالنسبة إلى إعادة هيكلة الدين، فيمكن إعادة رسملة هذه المصارف بسداد مستحقاتها من الدين العام واستخدام ما تبقّى لتوفير قروض ميسّرة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وبعد أن تستعيد المصارف عافيتها، يمكن أن تُباع لتحصيل جزء من الأموال التي أنفقت على إعادة هيكلتها.
4. من المرجّح أن يُطلب من كبار المودعين أن يساهموا بجزء من ودائعهم لإعادة رسملة المصارف عبر تحويل جزء منها إلى أسهم.
نحن بين خيارات أحلاها مرّ. من سخرية القدر أن يكون أفضل آمال إنقاذ قطاع مصرفي خاص، هو وضع اليد عليه أو على جزء منه.

* زميل باحث في التمويل والمصارف - جامعة كلية دبلن