بين الأول من أيلول الماضي و23 تشرين الثاني الجاري، ارتفع سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، لدى الصرافين (في السوق الموازية)، بقيمة 437.5 ليرة، أو ما نسبته 29%، ليبلغ وسطياً 1945 ليرة مقابل كل دولار، مقارنة مع السعر الوسطي المحدّد من مصرف لبنان بـ1507.5 ليرات. والإشارة إلى السعر الوسطي تعني أن الأسعار في بعض الأيام تجاوزت حاجز الـ2000 ليرة. أما تسعير مصرف لبنان فلم يتغيّر منذ كانون الأول 1997، فيما توضح إحصاءات «بلومبرغ» أن السعر بلغ أقصاه في 9 تشرين الثاني الجاري، ووصل إلى 1522.9 ليرة، ولم ينخفض عن 1507.5 ليرات.


في أكثر من مناسبة، حاول حاكم مصرف لبنان رياض سلامة التقليل من أهمية ارتفاع السعر لدى الصرافين، عبر الإشارة إلى أن مجمل عمليات الصرّافين لا تمثّل «أكثر من 2% من حجم عمليات تحويل العملة في السوق». خلافاً لهذا الكلام، يعدّ هذا التطوّر خطيراً للغاية، لأن حجم العمليات لدى الصرافين الذي كان يقدّر بنحو مليوني دولار يومياً، وصل الآن إلى 8 ملايين دولار يومياً، وسبق أن بلغ 30 مليون دولار يومياً بعد استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري وإغلاق المصارف أبوابها. يعني ذلك أن حجم العمليات السنوية يتجاوز ملياري دولار بكثير إذا احتسبنا الحدّ الأدنى من العمليات على 250 يوم عمل.
أصل المقارنة بين حجم العمليات لا يعبّر عن الحقيقة في ظل امتناع المصارف عن تلبية الجزء الأكبر من الطلب على الدولار. فالأثر الناتج عن ارتفاع سعر صرف الليرة ليس مرتبطاً فقط بالطلب الفردي على الدولار، بل بات مرتبطاً أيضاً بالطلب التجاري الناتج عن الاستيراد، علماً بأن لبنان يستورد بقيمة 20 مليار دولار ويصدّر بقيمة 3 مليارات دولار، أي إن عجزه التجاري يبلغ 17 ملياراً عليه أن يؤمّنها بالدولار ليغطّي حاجة السوق من السلع بكل أنواعها. هذا يعني أن الشركات التي لا تجد تمويلاً من المصارف بسعر الصرف المحدّد من مصرف لبنان، ستلجأ إلى الصرافين. هذا التحوّل في عملية التمويل يفسّر أسباب ارتفاع سعر الليرة مقابل الدولار بعد انكفاء مصرف لبنان والمصارف عن تمويل الاستيراد بالدولارات. يومها انفجرت أزمة المشتقات النفطية والقمح والدواء وطالب المستوردون بالحصول على الدولارات بالسعر المحدّد من مصرف لبنان أو برفع الأسعار المحدّدة من الدولة لأن عناصر تسعيرها لا تتضمن تقلّبات سعر الصرف.
بهذا المعنى، فإن حجم العمليات لدى الصرافين بقيمة 8 ملايين دولار يومياً بات يمثّل 11.7% من عجز الميزان التجاري البالغ 17 مليار دولار (حجم العمليات محسوب على أساس 250 يوم عمل). وإذا عزلنا الأثر الناتج عن تمويل مصرف لبنان المشتقات النفطية والقمح والدواء بالدولار بالسعر الرسمي المعلن، أي ما قيمته 6 مليارات دولار، فإن حجم عمليات الصرافين يرتفع إلى 18% من العجز التجاري.
ماذا تعني هذه الأرقام؟ البنك الدولي يؤكد أن ارتفاع الأسعار بمعدل 25% سيرفع معدلات الفقر إلى 50%. وتشير تحليلات أجراها متخصّصون لـ«الأخبار» إلى أن ارتفاع سعر الصرف لدى الصرافين بمعدل 29% يسبب تضخّم الأسعار بمعدّل 15%، وارتفاعه بنسبة 50% سيرفع التضخّم إلى 25%. لذا، في حال ارتفع سعر الصرف إلى 2260 ليرة، أي بزيادة 752 ليرة، سيرتفع على الأرجح عدد الأسر الفقيرة في لبنان من 250 ألفاً في 2011 إلى 440 ألف أسرة (هذه التقديرات مبنية على المعطيات الناتجة عن المسح الذي أجرته مديرية الإحصاء المركزي عن الأحوال المعيشية للأسر عن عام 2011). علماً أنه لم تدخل في احتساب هذه التقديرات، أرقام الأسر السورية النازحة إلى لبنان، كما أنها تستند إلى تقديرات عن استهلاك الأسر اللبنانية من السلع المستوردة بما يفوق ثلثي الاستيراد، ولا تتضمن أي تعديلات قد تنشأ في أوقات الأزمات مثل تغيّر سلوك المستهلك.
وبحسب إدارة الإحصاء المركزي، فإن حصّة الـ20% الأكثر فقراً من الاستهلاك تمثّل 8%، فيما حصّة الـ20% الأكثر ثراءً تمثّل 40%. هذه الأرقام تعني أن قسماً مما يمكن تصنيفه طبقة وسطى في لبنان وتتقاضى أجورها بالليرة، ستتآكل مداخيلها إلى حدود تصبح معها تحت خطّ الفقر الذي يحدّده الخبير الاقتصادي كمال حمدان بأنه يشمل الذين يعيشون يومياً بما قيمته 8 دولارات، أو من تقلّ مداخيلهم عن 1.7 مليون ليرة شهرياً. أما المصنّفون من فئة الأكثر فقراً، ممن تقل مداخيلهم اليومية عن 5.7 دولارات أو من يعيشون شهرياً بأقل من 770 ألف ليرة، فقد يصبحون عاجزين عن الحياة!