فشلت الحكومات التي تعاقبت على لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية – باستثناءات ضئيلة – في رسم وتنفيذ سياسات اقتصادية ومالية متوسّطة وطويلة الأجل مبنيّة على أساس علميّ ومنطقيّ، وقابلة للتحقيق، تحدّد فيها شكل وبينة الاقتصاد والنموذج الاقتصادي الملائم ومصادر تمويله الداخلية والخارجية. وهذا ما أدى إلى تفويت فرصة إنشاء اقتصاد وطني مُنتج ومتنوع يستطيع تحقيق معدلات نمو جيدة ومستدامة تؤمن فرص عمل للوافدين الجدد إلى سوق العمل، ويستطيع كذلك تحقيق تدفقات مالية داخلية كافية تنتج بشكل أساسي عن التصدير وليس الفوائد المرتفعة المعيقة للاستثمار.


ونتج فشل الحكومات في رسم السياسات الاقتصادية والمالية عن عدّة عوامل (لن نذكر في هذه الدراسة العوامل المرتبطة بالحوكمة والإطار المؤسساتي) منها انعدام التخطيط وعدم وضع أهداف طويلة الأجل للاقتصاد، الأمر الذي لا يزال مسيطراً حتى اليوم. ولتأكيد ذلك، نشير إلى أنّ لبنان يحتلّ اليوم المرتبة 128 عالمياً في مؤشر رؤية الحكومة طويلة الأجل (Government long-term vision) الصادر عن البنك الدولي. وفيما يلي تحليل لبعض المؤشّرات الاقتصادية الكليّة التي تبيّن بعض نتائج السياسات السيئة التي تم اعتمادها منذ عام 1992 وحتى اليوم. وللتمكّن من إدراك هذا الأمر سوف نقارن مؤشرات لبنان بتلك العائدة لثماني دول عربية مستوردة للنفط وهي: مصر، الأردن، موريتانيا، المغرب، السودان، سوريا، تونس، واليمن. مع الإشارة إلى أنّ بعضها تعرّض اقتصاده وماليته العامّة لصدمات شديدة نتيجة لاندلاع الحراك فيها عام 2011.

أولاً: النمو الاقتصادي
أدّت السياسات الاقتصادية السيئة إلى تشويه بنية الاقتصاد اللبناني وإضعاف القطاعات الإنتاجية التي تُحقق النمو وتخلق الوظائف وتؤدّي إلى التصدير. فأصبح الاقتصاد اللبناني أسيراً للاعتماد المفرط على تحويلات المغتربين وتدفّق الودائع لتمويل الاقتصاد، كما أصبح هشّاً وشديد الحساسيّة لأيّ صدمات داخليّة أو خارجيّة. فانعكست الأزمة السورية كارثة على الاقتصاد اللبناني، مداها أوسع بكثير مما أصاب الدول الأخرى التي تعرّضت لوضع مشابه، وتحديداً الأردن، مع الأخذ في الاعتبار الفرق الكبير بين الإمكانات الاقتصادية الكامنة للبلدين لصالح لبنان. فعلى سبيل المثال، تراجع النمو في الأردن من 2.3% عام 2010 إلى 1.9% عام 2018، فيما تراجع النموّ في لبنان من 8.0% إلى 0.3% خلال الفترة المذكورة. كما حقّق الأردن متوسّط نموّ سنويّ بلغ 2.5% بين عاميّ 2011 و2018 مقابل 1.4% للبنان. وللمزيد من المقارنة، نشير إلى أنّ مصر حقّقت متوسّط نموّ 3.5% خلال الفترة 2011-2018، رغم الثورة التي شهدتها والتقلّبات السياسية والأمنية الكبيرة التي عانت منها.
كذلك سجّل الناتج المحلّي الإجمالي للبنان أحد أدنى نسب النموّ بين الدول العربية المستوردة للنفط منذ عام 1992 وحتى اليوم (باستثناء الفترة 2007-2010 الاستثنائية). وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، سجّل لبنان منذ عام 1992 متوسّط نموّ سنويّ بلغ 4.2%، مقابل 4.4% في مصر، و4.5% في الأردن، وكذلك سوريا التي حقّقت متوسّط نموّ 4.4% خلال الفترة 1992-2010. وإذا استثنينا النموّ الاستثنائي للفترة 2007-2010، ينخفض متوسّط النمو السنوي للبنان إلى 3.3%، فيأتي بعد موريتانيا (4.0%)، وتونس (3.8%)، والمغرب (3.7%)، والسودان (3.5%). مع الإشارة إلى أنّ أضعف نموّ سجّله لبنان كان خلال العقد الحالي، حيث سجّل متوسّط نموّ الناتج المحلي الإجمالي بين عاميّ 2011 و2018 نسبة 1.4%، مقابل 5.8% للفترة 2001 - 2010، و4.9% للفترة 1992 - 2000. وهذا يدلّ على هشاشة الاقتصاد اللبناني وعدم قدرته على تحمّل الصدمات، مضافاً إليها عدم القدرة على وضع خطط بديلة تؤدّي إلى تخفيف آثار الحرب في سوريا على الاقتصاد اللبناني.
أصبح الاقتصاد أسيراً للاعتماد المفرط على تحويلات المغتربين وتدفق الودائع لتمويل الاقتصاد، وهشّاً وشديد الحساسية حيال أيّ صدمات داخلية أو خارجية


وتضافرت عدة عوامل مرتبطة بالسياسات الاقتصادية والمالية الحكومية لجعل لبنان من أدنى الدول العربية نمواً، وربما أولها البنية التحتية الرديئة جداً. فعلى سبيل المثال، يحتلّ لبنان المرتبة 130 عالمياً في مؤشر البنك الدولي لنوعية البنية التحتية والمرتبة 121 في مؤشّر نوعية الطرق والمرتبة 91 في مؤشر نوعية المرافئ البحرية، هذا عدا عن الوضع السيئ للكهرباء والاتّصالات. إنّ وجود بنية تحتية متطوّرة هو عامل حاسم في دعم النموّ الاقتصادي لأيّ بلد، والفشل الذي عانى منه لبنان في هذا المجال ساهم بشكل كبير في كبح النمو الاقتصادي.
كما أدّت السياسات المتّبعة منذ عام 1992 إلى خنق المبادرات الفردية والإبداع وريادة الأعمال والتسبّب بهجرة الكفاءات والمهارات التي تمثّل أساس النموّ الاقتصادي. وللدلالة على ذلك، نشير إلى أن لبنان يحتلّ المرتبة 105 عالمياً في مؤشر القدرة على جذب المواهب (Country capacity to attract talent) والمرتبة 105 كذلك في مؤشر الحفاظ على المواهب (Country capacity to retain talent) الصادرين عن البنك الدولي. كما أدّت تلك السياسات الطاردة للعمالة الكفوءة والماهرة إلى ضعف كفاءة سوق العمل، فأصبح لبنان يحتلّ المرتبة 109 عالمياً في مؤشّر كفاءة سوق العمل.

ثانياً: عجز الموازنة
يكمن أكبر فشل للسياسات المالية المتبعة منذ عام 1992، في العجز المستمرّ والكبير في الموازنة نتيجة انفلات الإنفاق والهدر من جهة، والعجز عن تطوير وتعزيز الإيرادات من جهة أخرى. ويظهر هذا الأمر بشكل واضح في المؤشرات العالميّة المتعلّقة بالإنفاق الحكومي والموازنة، حيث يحتلّ لبنان أسوأ المراتب. فعلى سبيل المثال، يحتلّ لبنان المرتبة 130 عالمياً في مؤشر كفاءة الإنفاق الحكومي الصادر عن البنك الدولي، والمرتبة 135 في مؤشر الهدر في الإنفاق الحكومي. وعلاوة على ذلك، يطغى الغموض على السياسات المالية والموازنات وعدم الشفافية في الإنفاق، ما يؤدي إلى عدم القدرة على إدراك مكامن الهدر بشكل صحيح. وللدلالة على ذلك، نشير إلى أن لبنان يحتلّ حالياً المرتبة 77 عالمياً في مؤشر شفافية الموازنة.


وفي تحليل لعجز الموازنة، نجد أنّ لبنان سجّل أسوأ عجز موازنة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بين جميع الدول العربية المستوردة للنفط منذ عام 1992، وبمتوسط سنوي 13.5%، مقابل 7.1% في مصر، و5.0% في الأردن، و4.9% في اليمن، و3.6% في كل من تونس والسودان، و3.2% في سوريا (حتى عام 2010)، و2.7% في المغرب. وفي حال أخذنا الفترة 2011 - 2018 فقط، نجد أن لبنان كان حتى أسوأ من الدول التي شهدت ثورات وحروب أدّت إلى تراجع كبير في الإيرادات الحكومية، حيث بلغ متوسط العجز كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي 8.2% في لبنان، مقابل 6.6% في اليمن، و5.2% في تونس. وهذه الأرقام تدلّ بشكل واضح على الهدر الكبير في الإنفاق الحكومي والعجز عن تطوير الإيرادات في لبنان، والناجمة بشكل أساسي عن القصور في السياسات المالية، وليس للتأثيرات الخارجية فقط.

ثالثاً: الدين العام
كان تفاقم الدين العام هو أحد النتائج الكارثية للسياسات المالية السيئة، مضافاً إليها الفساد وعدم انضباط الإنفاق العام وكذلك الارتفاع غير المنطقي في كلفة استدانة الدولة، ما أدّى إلى بلوغ الدين العام مستويات غير مستدامة ويصعب السيطرة عليها. ويسجّل لبنان أعلى مديونية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بين جميع الدول العربية منذ عام 2001 لغاية اليوم. كما أنه سجّل أعلى متوسّط سنويّ لمعدلات المديونيّة بين جميع الدول العربية منذ عام 1992، بلغ 133.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 82.8% في مصر، و95.5% في الأردن، و81.7% في موريتانيا، و63.3% في المغرب، و57.0% في تونس، و56.1% في اليمن.

وقد شهد الدين العام اللبناني (كنسبة من الناتج المحلّي الإجمالي) تزايداً بين عامَي 1992 و2006، ليقفز من 62.2% إلى 183.1%، لينخفض بعدها تدريجياً إلى 130.4% عام 2012، ثم يرتفع مجدّداً بشكل تدريجي ويبلغ 151.0% في نهاية عام 2018. وللدلالة على ازدياد سوء إدارة عجز الموازنة والدين العام، نشير إلى أنّ متوسّط نسبة الدين العام من الناتج المحلّي الإجمالي بلغت 94.3% خلال الفترة 1992 - 2000، بينما سجلت 140.6% خلال الفترة 2011 - 2018. وهذا الازدياد الكبير في المديونية أدّى إلى تسجيل لبنان مستويات سيئة جداً من مؤشرات إدارة الدين العام العالمية. فعلى سبيل المثال، يحتلّ لبنان اليوم المرتبة 130 عالمياً في مؤشر ديناميات الدين (Debt dynamics) الصادر عن البنك الدولي.

خاتمة
إنّ الغياب المطلق للتخطيط واعتماد سياسات اقتصادية وماليّة غير مبنيّة على أسس علمية صحيحة منذ عام 1992، وتفشّي الفساد بشكل غير مسبوق، أدّت كلّها إلى تشوّهات هيكلية وبنيوية في الاقتصاد اللبناني وإضرار كبير بقطاعات الاقتصاد الحقيقي. فأصبح هذا الاقتصاد معتمداً بشكل كبير على تدفّق التحويلات بدلاً من الإنتاج والتصدير، والاستدانة المفرطة للدولة بدلاً من ضبط الموازنة العامّة، مضافاً إليها وجود بنية تحتية ضعيفة، وتعقيدات كبيرة تواجه الاستثمار، وسوق عمل طارد للكفاءات والمهارات، وبنية فوائد مصرفية لا تشجع على إنشاء المشروعات وريادة الأعمال. هذه العوامل أدّت إلى كبح مستمرّ للنمو وخنق للاقتصاد اللبناني وإضعاف تنافسيته، بحيث أصبح يحتلّ المرتبة 105 في مؤشر التنافسية العالمية والمرتبة 133 في مؤشر البيئة الاقتصادية الكلية (Macroeconomic environment).

* أستاذ في الجامعة اللبنانية