خلال السنوات العشر الأخيرة، أي منذ عام 2010 حتى عام 2019، تقدّر جمعية مصارف لبنان أن تحقّق المصارف أرباحاً صافية متراكمة (بعد تسديد الضريبة) بقيمة 18.5 مليار دولار، مقابل تسديد ضريبة أرباح للخزينة بقيمة 4.9 مليارات دولار. الجزء الأكبر من أرباح المصارف مصدرها توظيفات المصارف لدى القطاع العام، أي في أدوات الدين العام والأدوات التي أصدرها مصرف لبنان، وهذا الأمر أتاح لها مضاعفة رؤوس أموالها بمعدل 1.3 مرات أو ما قيمته 12.4 مليارات دولار.

تشير إحصاءات الجمعية، إلى أن رؤوس أموال المصارف كانت تبلغ في عام 2010 نحو 9221 مليون دولار، متوقّعة أن تبلغ 21626 مليون دولار في نهاية عام 2019، وأن تصل إلى 22753 مليار دولار في نهاية عام 2020. كذلك تشير إلى أن أرباح المصارف الصافية، أي بعد تسديد الضريبة ستبلغ 1.78 مليار دولار في نهاية عام 2019، زاعمة أنها «مظلومة» لأن زيادة ضريبة الفوائد عليها إلى 10% لمدة ثلاث سنوات اعتباراً من النصف الثالث من عام 2019، وزيادة ضريبة مقطوعة على حجم الأعمال لمرّة واحدة بنسبة 2% ستؤديان إلى رفع عبء ضريبة الفوائد عليها من 32% في عام 2018 إلى 50%، مدعية أن العطب ليس في أرباحها الهائلة، بل في النظام السياسي الفاسد وسرقات السياسيين وفسادهم.


في الواقع، إن إحصاءات الجمعية تشير إلى أن المصارف ستواصل تحقيق الأرباح الهائلة رغم كل الهذه الأعباء الضريبية. لا بل ستعود أرباحها إلى مستويات متوافقة مع ما كانت عليه في السنوات الماضية قبل أن تتضخّم بسبب تنفيذ الهندسات المالية إلى 2672 مليار دولار في عام 2017 و2234 مليون في عام 2018. ففي عام 2016 صرّحت المصارف عن أرباح بقيمة 1876 مليون دولار، وقبلها ربحت 1883 مليون دولار، وفي عام 2010 ربحت 1642 مليون دولار! وهذه الأرباح تأتي رغم زيادة ضريبة الفوائد من 5% إلى 7% في عام 2017 وإلغاء الإعفاء الذي كان ممنوحاً للمصارف عليها.
إصرار المصارف على لعب دور الضحية ومطالبتها بإصلاح فساد السياسيين وإبعادها عنهم، هو تمايز لطالما رغبت المصارف أن تظهره للعلن على اعتبار أنها لم تقم بتمويل هذا الفساد طوال العقود الماضية، ولم تكن منغمسة فيه إلى أقصى حدود بدليل أنها تمكّنت خلال عشر سنوات من مضاعفة رؤوس أموالها 1.3 مرات. ولا شكّ بأن أكثر من 60% من موجودات المصارف موظّفة في الدين العام سواء كان على شكل سندات خزينة أم شهادات إيداع صادرة عن مصرف لبنان أم هندسات مالية مع مصرف لبنان، ما يعني أن الجزء الأكبر من إيرادات المصارف هو من المال العام الذي تنفقه وزارة المال أو يخلقه مصرف لبنان.
وتدل الكثير من المؤشرات على أن ارتباط المصارف بهذا الفساد من خلال ما حصل في العقود الماضية لجهة ربط آليات الاستدانة وتمويل عجز الخزينة بمؤشرات ضعيفة الصلة بالاقتصاد يسهل إدارتها صعوداً أو هبوطاً بقرارات تصدرها السلطة النقدية أو المالية، بمعنى ما كان الدين العام مرتبطاً بعمق الدولة المالي بدلاً من أن يكون مرتبطاً بالناتج المحلي الإجمالي. ويعبّر عن هذا الأمر نسبة الدين العام إلى الموجودات المصرفية، إذ كانت تبلغ 42% في عام 2010 ويقدّر أن تبلغ 33% في نهاية عام 2019. وفي المقابل، فإن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي كانت تتضخّم بشكل متسارع من 138% في عام 2010 إلى 152% في نهاية عام 2019. هذا الأمر يشير إلى مستوى الترابط بين الدين وبين مركزية الدولة وتخصيصها الموارد لهذا الأمر بنسبة كبيرة من النفقات العامة، فيما أعلن رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري أنه سيلغي النفقات الاستثمارية من مشروع موازنة 2020، ما يعني أن الاقتصاد لا يقع ضمن أولويات هذه القوى السياسية، بل أرباح المصارف.
وقد جاءت ورقة الحريري التي أقرّها مجلس الوزراء قبل استقالته، في سياق تقديم تنازل متواضع جداً تحت عنوان «إصلاحات». فهل يعتبر الحريري وباقي قوى السلطة أن فرض ضريبة مقطوعة لسنة واحدة بنسبة 2% على حجم أعمال المصارف هو «إصلاح»؟ الإصلاح يجب أن يبدأ بتنازل المصارف عن أرباحها لفترة معينة كافية للخروج من المأزق المالي، وأن تقرّ الحكومة ثم مجلس النواب قانوناً يفرض ضرائب موازية لما هو معمول فيه عالمياً، على كل النشاطات الريعية، وبمعدلات تصاعدية تحمي الفقراء ولا تساويهم مع الأثرياء. كل دخل، سواء أكان فوائد ودائع، أم مبيعات عقارية، أم سواها من النشاطات المحلية والخارجية التي يقوم بها لبنانيون مسجّلون في الضريبة يجب أن يخضع لضريبة تصاعدية.