أشار خبراء صندوق النقد الدولي، في البيان الختامي لبعثة المادة الرابعة، إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في موازنة عام 2019 قد تخفّض عجز المالية العامّة المحسوب على أساس نقدي من 11% من مجمل الناتج المحلّي في عام 2018 إلى 9.75% من هذا العام، وليس إلى 7.6% كما تزعم. هذا من دون احتساب المتأخّرات المتراكمة وعملية تسويتها التي ستزيد العجز النقدي في عام 2019 أكثر ممّا هو متوقّع. ووفق السيناريو الأساسي (غير المنشور) الذي وضعه هؤلاء الخبراء، فإن الإجراءات المتّخذة أو التي ستتّخذها الحكومة في السنوات الثلاث المقبلة، لن تضع عجز الموازنة على مسار تراجعي، إذ سيرتفع مجدّداً إلى 11.4% من مجمل الناتج المحلّي في العام المقبل وسيصل إلى 14.8% في عام 2024. وكذلك سيظل الدَّيْن الحكومي على مساره الصعودي، وسيرتفع من 155% من مجمل الناتج المحلّي في هذا العام إلى 182% بعد 5 سنوات. وستضمحل الاحتياطات الأجنبية ولن تكون كافية لتغطية سوى أقل من 9 أشهر من فاتورة الاستيراد أو أقل من 10% من ودائع الجهاز المصرفي بالعملات الأجنبية. وبالتالي سيبقى معدّل النموّ ضعيفاً وسيتراجع حجم أصول المصارف من مجمل الناتج المحلّي قليلاً.

لذلك، يوصي خبراء الصندوق الحكومة أن تستكمل إجراءاتها التقشّفية والانكماشية، ويقترحون عليها زيادة الضريبة على القيمة المضافة وتوسيع قاعدتها، وفرض رسوم على المحروقات، وجعل الزيادة المؤقّتة على ضريبة الفوائد دائمة. كما يقترحون إلغاء دعم الكهرباء وزيادة أسعارها، وتخفيض نفقات الأجور ومعاشات التقاعد. إلّا أن المفارقة أن السيناريو المعدّل، الذي يتضمّن اقتراحاتهم، لا يستهدف النموّ الذي سيبقى ضعيفاً، ولا يؤدّي إلى تخفيض العجز المالي إلى أقل من 7.1% بعد 5 سنوات من التقشّف القاسي، وكذلك سيبقى الدَّيْن الحكومي على مساره الصعودي، ولو بوتيرة أبطأ ممّا هي في سيناريو الحكومة، وسيبلغ 161% من مجمل الناتج المحلّي في عام 2024. وسيسجّل عجز الحساب الجاري انخفاضاً أسرع، ولكنّه سيبقى فوق 20% من مجمل الناتج المحلّي، وسيرتفع الدَّيْن الخارجي (بما فيه ودائع غير المقيمين) إلى 246%، وسيكون أعلى بكثير ممّا هو في سيناريو الحكومة (214%).


بالمقارنة بين السيناريوهين الأساسي والمعدّل، يتبيّن أن هناك مؤشّرين رئيسين يستهدفهما خبراء صندوق النقد الدولي: زيادة الأصول الأجنبية وزيادة أصول القطاع المصرفي، ففي حين يتّجهان نزولاً في سيناريو إجراءات الحكومة، يصعدان في سيناريو اقتراحات خبراء الصندوق. إذ سيخسر لبنان 16 مليار دولار من أصوله الأجنبية في غضون 5 سنوات، وفق السيناريو الأساس، وستتراجع أصول القطاع المصرفي من 443% من مجمل الناتج المحلّي في العام الجاري إلى 432% في عام 2024. أمّا وفق السيناريو المعدّل فسترتفع الأصول بالعملات الأجنبية بقيمة 18.4 مليار دولار، وسترتفع أصول المصارف إلى 500% من مجمل الناتج المحلّي. وهنا يكمن أصل الموضوع، فخبراء الصندوق لا يقترحون أي تغيير في النموذج الاقتصادي اللبناني وآليات إعادة توزيع الثروة والدخل، بل بالعكس تماماً، فجلّ همّهم هو المحافظة على هذا النموذج وتحميل كلفة إنقاذه للطبقات الدنيا والمتوسّطة.
يقول البيان الختامي (حرفياً) إنه «على الرغم من مهارة مصرف لبنان في الحفاظ على الاستقرار النقدي لسنوات عدّة في ظلّ ظروف عصيبة، فقد زادت التحدّيات التي يواجهها في قيامه بهذه المهمّة». ويقول أيضاً إن «إعادة التوازن للاقتصاد في الإطار الحالي لنظام سعر الصرف الثابت أمام الدولار الأميركي، تتطلّب عملية ضبط مالي كبيرة وموثوقة يتمّ تنفيذها بقوّة وإصلاحات هيكلية طموحة»، ويضيف: «نظراً لتثبيت سعر الليرة مقابل الدولار، سيكون من الضروري إجراء إصلاحات هيكلية عميقة لتعزيز الصادرات من أجل التصحيح الخارجي».
بمعزل عن السجال الضروري حول «الوصفة» التي يقترحها خبراء الصندوق لتفادي تخفيض سعر الصرف الثابت أو انهياره، والتي تعتبر أن الضبط المالي (أي المزيد من التقشّف والانكماش) والإصلاحات الهيكلية (أي المزيد من تقليص القطاع العام) «هما السبيل الوحيد لخروج لبنان من وضعه الحالي». فإن هذه «الوصفة»، التي يتوجّب الاعتراض عليها، هي نفسها التي تتبنّاها الحكومة اللبنانية، والتي سيظهر المزيد من فصولها في الأشهر المقبلة. وهذا ما بشّر به رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، في ردّه على مداخلات النواب في جلسة مناقشة موازنة عام 2019، ولا سيّما إعلانه الصريح عن توجّه واضح لدى الحكومة وهو «تقليص حجم القطاع العام وتكبير حجم القطاع الخاص». وقال: «هذا توجّه لا غنى عنه»، محدِّداً ثلاثة أهداف له: مواصلة تثبيت سعر صرف الليرة، ومواصلة تسديد الدَّيْن وفوائده، والمحافظة على القطاع المصرفي.
لا يبدو أن هناك فارقاً جوهرياً بين ما تقوم به الحكومة وما يقترحه صندوق النقد، لا في الأهداف ولا في الوسائل، كلّ ما في الأمر أن الصندوق يعتقد أن الوضع أخطر ممّا تعتقد الحكومة، ويدعوها إلى التحرّك أسرع وبقسوة أكبر وأشدّ، فالمجتمع غير موجود، لا في وصفة الصندوق ولا في توجّه الحكومة، إلّا لخدمة مصالح رأس المال وربحيّته.