البيانات التي نشرها مصرف لبنان لشهر أيار/ مايو الماضي، دقّت جرس إنذار مدوٍّ، وهو ما عكسته أيضاً تقارير صندوق النقد الدولي ووكالات التصنيف الائتماني الأخيرة، وعبّرت عنه آراء الكثير من الاقتصاديين، الذين حذّروا من أن استمرار تفاقم العجز في ميزان المدفوعات قد يدفع إلى خيارات سيّئة كثيرة، منها تخفيض سعر صرف الليرة الإسمي أو تقييد حركة رأس المال عبر الحدود (وهو الخيار الأقلّ حظاً) أو الدفع نحو الانكماش عبر المزيد من التقشّف في الإنفاق العام ورفع الفوائد وتخفيض الائتمان والاستهلاك والحدّ من الاستيراد وتحويلات أجور «العمّال الأجانب» من لبنان إلى بلدانهم.

في شهر أيار/ مايو الماضي، سجّل ميزان المدفوعات عجزاً قياسياً تاريخياً هو الأعلى على الإطلاق في شهر واحد، أقلّه في الفترة التي تغطّيها بيانات مصرف لبنان المنشورة على موقعه على الإنترنت من 31/1/1993 إلى 31/5/2019. وقد بلغت قيمة هذا العجز نحو 1881.6 مليون دولار. ويبرّر مصرف لبنان ارتفاع العجز إلى هذا المستوى القياسي بأنه اضطر في الفترة من 16 حتّى 31 أيار/ مايو 2019 إلى تسديد مبلغ 1135 مليون دولار، تمثّل قيمة أصل وقسائم مستحقّة على سندات يوروبوند. وهذا التبرير هو بذاته مثيراً للقلق في الأسواق، إذ إن اضطرار مصرف لبنان إلى تسديد سندات دَيْن مستحقّة، بدلاً من استبدالها أو إصدار سندات جديدة في مقابلها كما جرت العادة، يشير إلى بداية موجة انسحاب من سوق سندات الدَّيْن بالعملات الأجنبية. في حين أن انعكاس هذا الانسحاب بحدّة على ميزان المدفوعات يعني أنه انسحاب من لبنان وليس من سوق سنداته فحسب.


ولكن، بعيداً من هذا التبرير، لم يقتصر العجز القياسي على شهر أيار/ مايو وحده. فقد سجّل ميزان المدفوعات عجزاً تراكمياً بقيمة 5186.5 مليون دولار في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، وهو الأعلى على الإطلاق بالمقارنة مع الفترات نفسها بين عامي 1993 و2019. وعند احتساب العجز التراكمي على أساس سنوي، أي بين نهاية أيار/ مايو 2018 ونهاية أيار/ مايو 2019، سيبلغ 10439.9 مليون دولار، وهو بدوره أعلى مستوى عجز مُحقّق في فترة سنة.
ليس هذا فحسب، بل ختم شهر أيار/ مايو الماضي دورة من 12 شهراً من العجوزات المتتالية، وهو ما لم يشهده ميزان المدفوعات اللبناني في أي مرحلة من مراحله السابقة، بما في ذلك مرحلة الحرب (1975-1990)، إذ كان ميزان المدفوعات دائماً يسجّل عجوزات لأشهر قليلة ثمّ يحقّق فوائض وهكذا دواليك.
للتبسيط، يعبّر ميزان المدفوعات عن صافي الأموال التي تدخل إلى لبنان وتخرج منه، مهما كان نوع العملة أو المصدر أو النشاط أو الصفة، وبالتالي إذا سجّل عجزاً، فهذا معناه أن كمّية الأموال الخارجة أكبر من الداخلة والعكس صحيح. ولذلك يعكس عجز ميزان المدفوعات المتمادي في الحالة اللبنانية نقصاً فادحاً في كمّية الدولارات التي يحتاج إليها الاقتصاد اللبناني لتسديد الالتزامات بالعملات الأجنبية في الداخل وإلى الخارج. بما فيها تسديد فاتورة استيراد السلع والخدمات، وتسديد فوائد الودائع والسندات وأرباح الأسهم والمضاربات لغير المقيمين أو للمقيمين الذين يعيدون توظيف أرباحهم في الخارج.
حتى عام 2010، كان الاقتصاد اللبناني يستقطب كمّية من الدولارات أكبر من الكمّية التي يسدِّدها للخارج، وقد حقّق ميزان المدفوعات فوائض تراكمية بين عامي 1991 و2010 بلغت قيمتها 28593 مليون دولار، وكانت مصادر هذه الفوائض الأساسية تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج وودائع غير المقيمين والديون الخارجية والسياحة والاستثمارات العقارية. ولكن في الفترة التالية بين عامي 2011 وأيار/ مايو 2019، انقلب وضع ميزان المدفوعات رأساً على عقب، إذ لم تعد الدولارات التي يحصل عليها لبنان كافية لتسديد ما يتوجّب عليه للخارج، وبلغت العجوزات التراكمية حتّى الآن 18351 مليون دولار، وهذا يعني استنزافاً متواصلاً لصافي الأصول الأجنبية في لبنان، التي يعدّ حجمها واستقرارها والقدرة على التحكّم بها من الشروط الأساسية لتثبيت سعر صرف الليرة الإسمي إزاء الدولار.
تشير بيانات مصرف لبنان إلى أن صافي أصوله الأجنبية (باستثناء الذهب) انخفضت في سنة واحدة بقيمة 8679.3 مليون دولار، من نحو 45.3 مليار دولار في نهاية أيار/ مايو 2019 إلى نحو 36.6 مليار دولار في نهاية أيار/ مايو 2019. وفي الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، سجّلت ودائع الزبائن لدى القطاع المصرفي الانخفاض الثاني في أيار/مايو بعد كانون الثاني/ يناير في القيمة المُطلقة وليس في نسبة النموّ كما كان الوضع في السنوات السابقة، ووفق البيانات نفسها، انخفضت قيمة ودائع الزبائن بقيمة 3568 مليون دولار، من نحو 175 مليار دولار في نهاية عام 2018 إلى نحو 171.5 مليار دولار في نهاية أيار/ مايو الماضي. وفي حال تنزيل زيادة الودائع الناجمة من الفوائد المُسدّدة على الودائع القائمة، فإن قيمة الانخفاض ستكون أكبر بكثير وتعكس ارتفاع وتيرة هروب المودعين، ولا سيّما أن انخفاض الودائع بين نيسان/ أبريل وأيار/ مايو شمل كل أنواعها بالليرة وبالعملات الأجنبية وللمقيمين وغير المقيمين وحسابات توفير وحسابات جارية.