بحجّة التقشّف وخفض العجز المالي، عمدت الحكومة في إطار مشروع موازنة عام 2019، إلى ترحيل كلّ الاعتمادات المفتوحة ضمن قوانين البرامج لتشييد أبنية حكومية إلى سنوات لاحقة. لكنها خصّصت في المقابل نحو 116.9 مليار ليرة (77 مليون دولار) لتغطية كلفة إيجارات المباني والإنشاءات التي تشغلها الدولة وإداراتها كمراكز ومكاتب لها.





أنقر على الرسم البياني لتكبيره

لا تتضمّن قيمة الإيجارات المذكورة سوى ما يتمّ رصده كاعتمادات ضمن الموازنة العامّة، وبالتالي لا تعبّر عن مجمل الكفلة التي تنفقها الدولة على إيجارات المباني التي تشغلها كيانات ومؤسّسات عامّة تابعة لها، وهو ما يرفع هذه القيمة إلى مستويات أعلى بكثير. مثال على ذلك، ما أنفقته شركتا «تاتش» و«ألفا» (المملوكتان من الدولة اللبنانية) كبدلات إيجار مكاتب ومحطّات ومواقف سيّارات في عام 2018، والتي بلغت 39.7 مليون دولار وفق ما تبيّنه البيانات المالية للشركتين، وهو ليس إلّا جزءاً ممّا تنفقه مؤسّسات وكيانات أخرى لاستئجار مبانٍ وعقارات مثل البلديات، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومصرف لبنان، ومؤسّسة كهرباء لبنان، وتعاونية موظّفي الدولة، ومصالح المياه، والمنطقة الاقتصادية الخاصّة في طرابلس، وفروع الجامعة اللبنانية في المحافظات والمناطق، وغيرها...
عملياً، تبيّن إحصاءات وزارة المال أن كلفة إيجارات المكاتب والعقارات وصيانتها، والتي دفعتها الدولة اللبنانية بين عامي 1997 و2019، تبلغ نحو 1615.5 مليار ليرة (أي ما يساوي 1.07 مليار دولار أميركي)، وهو مبلغ مرتفع نسبياً، ناتج عن ارتفاع كلفة إيجارات بعض هذه المباني. وأبرزها وفقاً لمشروع موازنة 2019:
1- إيجار مبنى «الإسكوا» في وسط بيروت الذي تبلغ قيمته 10 ملايين دولار، ويستنزف أكثر من 36% من مجمل ميزانية وزارة الخارجية المُخصّصة لدفع الإيجارات.
2- مكاتب وزارة المالية التي تبلغ بدلات إيجارها نحو 2.4 مليون دولار.
3- مباني ومكاتب المحاكم الشرعية التي تبلغ قيمتها 1.5 مليون دولار، أي ما يشكّل نحو ثلاثة أضعاف القيمة المرصودة لاستئجار مباني المحاكم الإدارية والمدنية (427 ألف دولار).
4- مكاتب إدارة الجمارك (1.2 مليون دولار).
5- مكاتب المديرية العامة للشؤون العقارية (1.1 مليون دولار).
6- مكاتب الأمن العام (1.03 مليون دولار).
7- مكاتب ديوان المحاسبة (796 ألف دولار).
8- مكاتب المديرية العامّة للحبوب والشمندر السكّري التي تبلغ كلفة إيجاراتها نحو 776 ألف دولار، أي ما يشكّل 10% من مجمل قيمة المساهمة التي تدفعها الخزينة العامّة لتغطية العجز في موازنة المديرية.
9- مكاتب التفتيش المركزي (742 ألف دولار).
10- مكاتب مجلس شورى الدولة (716 ألف دولار).
11- ويضاف إلى ذلك، إيجارات مدارس التعليم الأساسي والثانوي التي تبلغ قيمتها 22.9 مليون دولار، ومكاتب الجيش والعقارات التي يستأجرها كمواقع وثكنات عسكرية وتصل قيمتها إلى 6.6 مليون دولار، ومكاتب قوى الأمن الداخلي والسجون بقيمة 799 ألف دولار.

1615.5 مليار ليرة

أي نحو 1.047 مليار دولار أميركي هو مجمل ما دفعته الدولة اللبنانية بين عامي 1997 و2019 بدل إيجارات مكاتب حكومية وعقارات وصيانتها


تعدّ كلفة إيجارات المباني مرتفعة نسبياً، وهو ما دفع إلى وضع خطط عديدة لشراء أو تشييد أبنية حكومية على أراض تملكها الدولة اللبنانية، إلّا أن هذه الخطط لم تنفّذ سوى جزئياً، إمّا بسبب عدم رصد التمويل اللازم أو للمحافظة على الريوع الكامنة في استئجار الأبنية. في الواقع، تبيّن دراسة أعدّت لصالح مجلس الإنماء والإعمار في عام 2010، وجود مجموعة من العقارات تملكها الدولة اللبنانية والتي يمكن الاستفادة منها لتشييد مجموعة من الأبنية الحكومية وتوفير كلفة هذه الإيجارات. ووفقاً لهذه الدراسة، تمتلك الدولة اللبنانية:
1- العقار رقم 3582 في الأشرفية (محلّة ساحة العبد)، وتبلغ مساحته 163.689 متراً مربّعاً، وهو موضوع بتصرّف مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، وقد صدر قراران عن مجلس الوزراء لتخصيص مساحات من هذا العقار لصالح وزارة الأشغال العامّة والمعهد المالي ولجهاز أمن الدولة، بما يتوافق مع الخطط الموضوعة لتطوير قطاع النقل العام، علماً أن هذه الخطط لا تتضمّن إعادة إحياء خطوط سكك الحديد أو الترامواي أو استحداث بنية تحتية ومحطّات ضمن منظومة حديثة للنقل تتجاوز منطق تكثيف استخدام الباصات والفانات.
2- يوجد عقار آخر في منطقة الشياح يحمل الرقم 3016، وتبلغ المساحة المُمكن الاستفادة منها لتشييد أبنية حكومية نحو 17 ألف متر مربّع، ويمكن تخصيصها لكلّ من مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي والهيئة العليا للتأديب والتنمية الإدارية ووزارتي الصحّة والاقتصاد، وفق ما تقترحه دراسة مجلس الإنماء والإعمار.
3- وهناك عقار ثالث في منطقة المصيطبة يحمل الرقم 5277 تبلغ مساحته نحو 830 متراً مربّعاً ويمكن تخصيصه لتشييد أبنية لديوان المحاسبة وإدارة الإحصاء المركزي ومؤسّسة المحفوظات الوطنية، وفق ما تقترحه الدراسة نفسها.
علماً بأن تشييد هذه الأبنية يمكن أن يوفّر ما لا يقل عن 5.8 مليون دولار سنوياً، تمثّل قيمة إيجارات هذه المباني المرصودة في مشروع موازنة عام 2019.