في سياق مناقشات مجلس الوزراء لمشروع قانون موازنة عام 2019، اقترح وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش فرض رسم جمركي على جميع المستوردات بنسبة 3%، واشترط أن يخصَّص ما لا يقل عن ثلث إيرادات هذا الرسم لدعم الإنتاج وزيادة الصادرات. وفي سياق مداخلته لتبرير هذا الاقتراح ركّز على أزمة ميزان المدفوعات المستفحلة منذ عام 2011 واستمرار تنامي العجز التجاري إلى أكثر من ربع الناتج المحلّي الإجمالي.

تلقّف البعض هذا الاقتراح وعارضه البعض الآخر. الأوّل وجد فيه مصدراً للإيرادات العامّة يساهم في خفض العجز المالي، إلّا أنه اشترط استثناء الأدوية والآلات الصناعية والمواد الخامّ والسيّارات الصديقة للبيئة. أمّا الثاني فاعتبره إجراءً «غير شعبي»، يشبه زيادة الضريبة على القيمة المُضافة، ويؤدّي إلى رفع الأسعار والإضرار بمصالح الطبقات الفقيرة والمتوسّطة، واقترح في المقابل اللجوء إلى فرض رسوم نوعية مرتفعة على سلع مستورَدة مختارة ومنتقاة تحت عنوان حماية ما يُنتج محلّياً وما يمكن إنتاجه من الإغراق والمنافسة غير المتكافئة من الخارج.
انتهى النقاش في مجلس الوزراء إلى صيغة تقضي بفرض رسم بنسبة 2% مع الاستثناءات المذكورة أعلاه، ولكن من دون تخصيص أيّ جزء من إيرادات هذا الرسم لدعم الإنتاج، ما أدّى إلى تضعضع القاعدة الصناعية الداعمة للاقتراح واستعادة القاعدة التجارية لخطاب الاعتراض، بعدما كان رئيس جمعيّة تجّار بيروت نقولا شمّاس قد أعلن مواقفة التجّار على مضض، كاشفاً أن هؤلاء هم من ضغط من أجل تخفيض الرسم من 3% إلى 2%.


انتقلت هذه الصيغة إلى مجلس النواب، فتجدّد الخلاف وصراع المصالح، ما أدّى إلى تعليق البتّ بهذا الاقتراح، بانتظار أن يتقدّم وزراء المال والاقتصاد والصناعة باقتراحات بديلة تعوّض الإيرادات الفائتة في حال عدم إقرار الرسم.
بمعنى ما، وافق النواب، كما الوزراء، على التعامل مع الرسم الجمركي كمصدر للإيرادات، أي وفق منطق الجباية والحساب لا وفق منطق حاجات الاقتصاد وشروط مواجهة الأزمة القائمة اليوم.
في هذا السياق، علّق النائب ميشال ضاهر، وهو من مالكي رأس المال الصناعي، على ما يجري، كاشفاً عن الحقيقة الكامنة وراء طرح الرسم الجمركي، قال: «هنالك من يرفض التعرفات الحمائية ورسوم الاستيراد ويرفض مكافحة الإغراق لحماية الصناعة، لهم أقول إذا لم تطبّق هذه التعرفات، أخشى أن يُجبر البنك المركزي على تحرير سعر صرف الليرة إسوة بتحرير الاقتصاد للحفاظ على احتياطه من العملات الصعبة، وعندها لن يبقى تجّار ولا مستهلكون. فحذارِ».
10% هي نسبة انخفاض مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي بين عامي 2010 و2016


ما يعنيه ضاهر قصداً أو عن غير قصد، أن الأزمة في لبنان بلغت حدّاً يفرض على «صنّاع القرار» خياراً من اثنين: إمّا تخفيض سعر صرف الليرة الاسمي، أو تخفيض القدرة الشرائية لليرة عبر رفع أسعار الاستيراد، أي تخفيض سعر الصرف مواربة وليس مباشرة بهدف الحدّ من استهلاك السلع المستوردة وتخفيف نزف الدولارات. وهذا يعدّ الوجه الآخر لمقاربة المسألة بين سندان المنطق الجبائي والمحاسبي وبين مطرقة المنطق النقدي، في حين أن المسألة أعمق من ذلك بكثير، وتتعلّق بالمجتمع وحاجاته وشروط تقدّمه ورفاهيّته، فوفق بحث قام به بسّام جوني في وزارة الصناعة في عام 2018، تحت عنوان «قدرة السوق المحلّية على استيعاب الإنتاج الصناعي»، فإن الصناعة اللبنانية قادرة على تلبية أكثر من 35% من الطلب المحلّي على السلع الصناعية، ويمكنها أن تصل إلى نسبة تتراوح بين 50% و70%، تبعاً للسياسات واستهدافاتها على المدى المتوسّط والبعيد، كما يمكنها أن تزيد صادراتها إلى الأسواق الخارجية. ولكن ذلك يحتاج إلى تغيير جذري كبير في ميزان المصالح والقوى.