تعبّر مؤشّرات عام 2019 عن بلوغ الأزمة ذروتها، ولا سيّما لناحية تفاقم مشكلة التحويلات الخارجية، التي تُنذر بتقويض المعادلات السابقة التي قام عليها النموذج الاقتصادي اللبناني. صحيح أن مشكلة التحويلات الخارجية وعجز ميزان المدفوعات بدأت منذ عام 2011، وكان تراكمها بداية عوارض الأزمة الحالية، إلّا أن ما تشهده السوق منذ مطلع هذا العام غير مسبوق لناحية حجم النزيف المتنامي والمتواصل بالعملة الصعبة من القطاع المالي.

يعبّر صافي الموجودات الخارجية عن الفارق بين الأصول الخارجية التي يملكها القطاع المالي، والتي تشمل السيولة بالعملة الصعبة لدى المصارف الخاصة والمصرف المركزي، وبين الأصول التي تملكها المؤسّسات الأجنبية محلّياً. وبالتالي، يعبّر التغيّر في هذا المؤشّر عن أمور عدّة، أبرزها حركة السيولة بالعملة الصعبة لبلدٍ ما مع الدول الأخرى، فهو يختصر النتيجة النهائية لحركة هذه السيولة مع الخارج، بمعزل عن الالتزامات المتبادلة بين الأطراف المحلّية، مثل التزامات المصرف المركزي للمصارف المحلّية والعكس، ويستثني أيضاً التضخّم الناتج من هذه الالتزامات المتبادلة.


في الواقع، تراجع صافي الموجودات الخارجية في الفصل الأوّل من العام الحالي بنحو ملياري دولار، وهو ما يشكّل 3% من الناتج المحلّي. ويتوزّع مصدر النزف بين الموجودات الخارجية في مصرف لبنان (بقيمة 1.11 مليار دولار أميركي)، والموجودات الخارجية في المصارف الخاصة (899 مليون دولار أميركي). ويُعتبر هذا التراجع قياسياً بكل المعايير بالنسبة إلى القطاع المالي في لبنان، فهو بلغ 9 أضعاف التراجع المُحقّق خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وأعلى من الرقم القياسي الذي سجّل في الفصل الأوّل من عام 2015 وبلغ 850.2 مليون دولار، والذي يعدّ الأعلى منذ بداية الأزمة في عام 2011.
تبدو آثار هذا التراجع واضحة على مختلف المؤشّرات، بداية من احتياطات مصرف لبنان بالعملة الصعبة التي تراجعت خلال سنة واحدة من 43.12 مليار دولار في نيسان/ أبريل 2018 إلى 37.97 مليار في نيسان/ أبريل 2019. وإجمالي ودائع القطاع المصرفي بالعملات الصعبة الذي تراجع منذ نهاية العام الماضي من 9.88 مليار دولار إلى 8.91 مليار دولار في شهر شباط/ فبراير الماضي، أي بقيمة 970 مليون دولار خلال الشهرين الأولين من السنة.
مع بداية الأزمة، عزا كثيرون تراجع التحويلات الخارجية ونزيف العملة الصعبة إلى الضغوط الناشئة من السوق الدولية، وتحديداً ارتفاع معدّلات الفوائد في الخارج والضغوط على السيولة في الاقتصادات الناشئة. إلّا أن أرقام هذا العام تشير بوضوح إلى أن حجم الأزمة بات يتجاوز هذه العوامل، وهي تدلّ إلى وجود أزمة ثقة في الاقتصاد المحلّي واستدامة النموذج الاقتصادي القائم، تتجاوز أزمة المالية العامة والحلول التبسيطية القائمة على التقشّف وخفض الأجور، وأن المصدر الرئيس لها يكمن في الاتكال المُفرط على التحويلات الخارجية لمدّ السوق بالعملة الصعبة.