في ختام السنة الماضية، احتفلت التقارير المصرفية المختلفة، ككلّ عام، بنسبة نمو القطاع المصرفي ونجاحه بزيادة موجوداته بنسبة 13.48%. بالفعل، لم تكن موجودات القطاع عام 2017 تبلغ أكثر من 219.86 مليار دولار وفق ميزانيّات المصارف المجمّعة، مقارنة مع 249.48 مليار دولار عام 2018. وكان من المفترض أن تكون هذه الأرقام دلالة إضافية على صلابة القطاع بمعزل عن انعكاسات التدهور الذي يصيب مختلف المؤشّرات الاقتصادية.

لكن المتابعين لشؤون القطاع وتفاصيل أرقامه كانوا يدركون أن هذه الأرقام لا تخفي سوى انتفاخ محاسبي لا أكثر. بين عامي 2017 و2018، لم ينمو مجموع ودائع القطاع الخاص المقيم وغير المقيم بأكثر من 4.78 مليارات دولار، أي بنسبة لا تتخطّى 2.8%. كان من الواضح أن هذه الأرقام تعكس حركة سحوبات معتبرة للودائع، خصوصاً أن نموّها كان أقل من معدّلات الفائدة على ودائع معيّنة خلال الفترة نفسها، علماً بأن متوسّط فوائد الودائع بالليرة اللبنانية بلغ 8.3% نهاية 2018، بينما بلغ هذا المتوسّط 5.15% على الودائع بالدولار. وفي كل الحالات، وكما أصبح واضحاً اليوم، بينما كان النمو الفعلي لودائع المصارف يحقّق هذه النتائج المتواضعة، كانت نسبة نموّ مجمل موجودات القطاع تسجّل أرقاماً جيّدة بفضل هندسات مصرف لبنان، التي قام جزء منها على احتفاظ مصرف لبنان بودائع مقابل منح المصارف تسليفات بنحو موازٍ، ما أدّى إلى نفخ ميزانيات المصارف.


تتمثّل التطوّرات الجديدة التي سجّلت في بداية 2019 بانتقال المصارف من تسجيل معدّلات نمو متواضعة تعكس سحوبات، إلى تسجيل معدّلات انخفاض معتبرة في مجموع ودائعها الذي يظهر في الميزانيّات. من بداية 2019 حتّى شهر شباط/ فبراير الماضي، انخفض مجموع ودائع القطاع الخاص المقيم وغير المقيم من 173.18 مليار دولار لغاية 170.73 مليار دولار، أي بتراجع بقيمة 2.45 مليار دولار خلال شهرين فقط، وهو ما يشكّل نحو 1.4% من مجموع هذه الودائع في بداية السنة. في الواقع، شهدت ودائع القطاع خلال عام 2018 بعض الانخفاضات الطفيفة والمتفرّقة في أشهر معيّنة، لكنّها لم تكن وازنة مقارنة بحجم الانخفاض الذي شهده القطاع في بداية 2019، كما لم تكن كافية للتأثير على نسبة النمو الإيجابية الإجمالية للعام الماضي.
يعود هذا الانخفاض في حجم الودائع إلى استمرار النزف الناتج عن عجز ميزان المدفوعات هذا العام، والذي تضخّم بالحجم الكافي للتأثير على حجم السيولة المتوافرة في النظام المصرفي. فحتّى شهر شباط/ 2019، بلغ عجز ميزان المدفوعات 1.93 مليار دولار، من بينها 1.38 مليار دولار سجّلت في الشهر الأوّل من السنة فقط، علماً بأن هذه الأرقام تستند إلى المنهجية التي يعتمدها مصرف لبنان لتحسين العجز، عبر احتساب سندات اليوروبوندز من ضمن موجوداته بالعملات الأجنبية، خلافاً لكلّ المعايير المعتمدة عالمياً.
تعبّر هذه الأرقام عن وجود مجموعة من التحدّيات التي ستواجه القطاع خلال هذا العام، وفي مقدّمها مسألة إعادة تمويل سندات الخزينة المستحقّة مع فوائدها، إذ سيستحق 2.9 مليار دولار من سندات اليوروبوند بالعملة الصعبة، مع 2.1 مليار دولار إضافي كفوائد على هذه السندات، وهي مبالغ ينبغي إعادة تمويلها بالدولار بالأميركي من قِبَل المصارف بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر من خلال ودائعها لدى مصرف لبنان. كما يستحق هذا العام نحو 7.4 مليارات دولار من سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، مع 2.6 مليار دولار فوائد عليها.
في الحصيلة، نتيجة كل هذه التحدّيات التمويلية المقبلة وانعكاسات الأزمة على حجم الودائع المصرفية، سيكون القطاع والقيّمون على النظام المالي أمام خيارات ضيّقة، خصوصاً بعد أن تم استنفاد معظم الأدوات المتوافرة، ومنح أرباح خيالية في الهندسات المالية، ورفع الفوائد مقابل استقدام العملة الصعبة والودائع الإضافية. ومع استمرار الوضع على هذا النحو، ينبغي السؤال عن الكلفة المرتقبة للتوفيق بين الضغوط المتعاظمة على النظام المالي وسياسة الدولة القائمة على حماية مصالح الدائنين.