تتميّز مرحلة ما بعد أزمة 2008 المالية العالمية بتكرار حلقات الإجهاد المالي في الاقتصادات الناشئة، فبعد أن كان احتمال إصابة ستة بلدان معاً بأزمات مالية في الوقت نفسه يلامس الصفر بين عامي 2000 و2007، ارتفع هذا الاحتمال إلى 6% بين عامي 2009 و2018، مع العلم أن هناك احتمالاً بنسبة 65% بحدوث أزمات مالية في بلدين معاً على الأقل. هذه الإحصاءات يستعرضها تقرير صادر عن منظّمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) بعنوان «حلقات أكبر من الإجهاد المالي في البلدان الناشئة».

وفقاً للتقرير، ازداد حجم المصارف الكبرى أكثر بعد الأزمة المالية العالمية وخصوصاً في البلدان المتطوّرة نتيجة استفادتها من الأموال العامّة التي ضُخّت لإنقاذ القطاع المالي، واستمرّ النظام المصرفي يتوسّع وبلغ حجم أعماله عام 2018 نحو 160 تريليون دولار أي ضعفي حجم الاقتصاد العالمي. ونتيجة ذلك، أصبحت الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية الأكثر عرضة لمخاطر النظام المالي غير المستقرّ. وهناك ستة اقتصادات ناشئة تعاني من إجهادات مالية (الأرجنتين والبرازيل والهند وأندونيسيا وجنوب أفريقيا وتركيا)، وتشكّل معاً نحو 9.3% من مجمل الناتج العالمي، وهو ما يزيد من مخاوف انتقال عدوى الأزمات إلى اقتصادات أخرى والتسبّب بأزمة عالمية جديدة.


يعود السبب الرئيسي في هذه الإجهادات المالية إلى انخفاض صافي تدفّق رأس المال العالمي. فقد شهدت هذه البلدان الستة، خمس حالات من انخفاض تدفّق رأس المال منذ تعافيها من الأزمة المالية العالمية:
1) سجّلت الحالة الأولى في النصف الأول من عام 2011، تأثّراً بأزمة المديونية في اليونان، وأصابت كلّاً من الأرجنتين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، واستمرّت نحو سنة ونتج عنها انخفاض ثانٍ في صافي تدفّق رأس المال عام 2012.
2) سجّلت الحالة الثانية عام 2013 بعدما عمد الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى تقليل كمّية السيولة التي كان يغذّي بها الاقتصاد. وهي أصابت كلّاً من البرازيل والهند وجنوب أفريقيا، وكانت آثارها أكثر شدّة في أندونيسيا.
3) لحقت بها حالة ثالثة في تموز/ يوليو 2014، ونتجت عن انخفاض أسعار النفط، وقد أصابت 3 بلدان رئيسية مصدِّرة للنفط وهي البرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقيا.
4) بعد سنة من ذلك، أدّى انخفاض سعر صرف العملة الصينية (رينمينبي) وتباطؤ الاقتصاد الصيني إلى إحداث تراجع كبير في صافي تدفّقات رأس المال، وبالتالي إحداث اضطرابات مالية في البلدان الستة، علماً أن آثارها استمرّت لفترة أطول في الأرجنتين وجنوب أفريقيا.
5) آخر صدمة مسجّلة في تدفّقات رأس المال العالمية، كانت في الربع الأوّل من عام 2018، مدفوعة بتحسّن سعر صرف الدولار الأميركي واشتداد موجة الحروب التجارية عالمياً، ونتج عنها انخفاض محفظة صافي تدفّقات رأس المال في البلدان الستة من 24 مليار دولار في الربع الأول إلى 14 مليار في الربع الثاني. وهو ما أدّى إلى دخول البلدان الستة جولة جديدة من الإجهاد المالي للمرّة الثانية بعد الأزمة المالية العالمية.