سجّل ميزان المدفوعات اللبناني في الشهر الأوّل من هذا العام عجزاً قياسياً جديداً، إذ بلغ 1.38 مليار دولار أميركي خلال شهر واحد. ويُعدّ هذا المستوى من العجز هو الأخطر، إذ لم يقترب العجز في ميزان المدفوعات من هذا الرقم خلال شهر واحد حتّى خلال فترة حرب تموز/يوليو 2006، حين قارب مستوى 1.18 مليار دولار. وهو تجاوز أيضاً المعدّل الشهري لعجز ميزان المدفوعات خلال السنة الماضية، التي سجّلت بدورها أعلى مستوى للعجز في ميزان المدفوعات خلال سنة واحدة منذ الاستقلال.

يمثّل عجز ميزان المدفوعات التراجع في صافي التحويلات المالية بين لبنان والخارج. وهو يرتبط بشكل مباشر بحجم العملات الصعبة المتوافرة في السوق، ويحتاج لها لبنان لتغطية حاجاته من الاستيراد من الخارج.
خلال الفترة الماضية تأثّر حجم احتياطي العملات الصعبة لدى مصرف لبنان، بدرجة كبيرة، بهذا العجز تحديداً، إذ تراجع خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من العام الماضي من 34.15 مليار دولار في أيلول/ سبتمبر إلى 32.51 مليار دولار في نهاية العام. مع العلم أنه كان يبلغ في نهاية 2017 نحو 35.81 مليار دولار، أي إن احتياطي العملات الصعبة تراجع بنسبة 9.19% خلال سنة واحدة فقط.


بمعزل عن التراجع الكمّي في احتياطي العملات الصعبة، يعتمد التحليل المالي على مؤشّرات أخرى لقياس فعالية هذه الاحتياطات وكفايتها لتحقيق الغايات المطلوبة منها. فهدف احتياطي العملات الصعبة توفير أدوات التدخّل للمصارف المركزية لسدّ متطلّبات السوق من العملة الصعبة وتأمين حاجات البلاد من الاستيراد. ولذلك يتمّ احتساب نسبة تغطية هذه الاحتياطات لفاتورة الاستيراد، لقياس فعاليّتها وكفايتها، ولمقارنتها وفق معيار واضح.
في أيلول/ سبتمبر الماضي، كانت احتياطات العملة الصعبة تغطّي نحو 23.75 شهر من الاستيراد. ومع تراجع مستوى الاحتياطات، تراجعت التغطية تدرّجياً إلى أن بلغت 20.72 شهر من الاستيراد خلال شهر كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي. بمعنى آخر، تراجعت نسبة التغطية نحو 13% خلال أربعة أشهر فقط من عام 2018.
أمّا المعيار الثاني لقياس كفاية هذه الاحتياطات وقدرتها على تحقيق أهداف الاحتفاظ بها، فهو من خلال احتساب نسبة تغطيتها لإجمالي الكتلة النقدية المتوافرة في السوق بالعملة المحلّية. وتكمن أهميّة هذا المعيار في قدرته على احتساب قدرة المصرف المركزي على توفير السيولة بالعملة الصعبة مقابل ضغط الطلب عليها بالعملة المحلّية. في الفصل الأخير من العام الماضي، تراجعت نسبة هذه التغطية بشكل طفيف من 65% في شهر أيلول/ سبتمبر إلى 63% في نهاية السنة. في الواقع، كانت نسبة التراجع ضئيلة مقارنة بنسبة تراجع احتياطي العملات الصعبة نفسه، بسبب الانكماش في حجم الكتلة النقدية في الأشهر الأربعة المذكورة، بالتوازي مع تراجع مستوى احتياطي العملات الصعبة نفسه.
ما هي أهميّة مراقبة هذه الأرقام؟ يُعدّ عجز الميزان التجاري، أي الفارق بين الواردات والصادرات، أحد أبرز العوامل الضاغطة تاريخياً على النموذج الاقتصادي في لبنان. وخلال السنوات الماضية، توسّع هذا العجز وارتفع من 15.12 مليار دولار عام 2015 إلى 17.03 مليار دولار عام 2018. وهذا العجز يعني الحاجة المستمرّة إلى العملة الصعبة لتمويل الاستيراد وتأمين الحاجات الاستهلاكية للسوق المحلّية. قبل 2011، كانت فوائض ميزان المدفوعات كافية، وتؤمّن من تحويلات المغتربين والاستثمارات المُضاربة في السوق العقارية. لكن العجز المستمرّ منذ سبع سنوات كان بمثابة علامة إنذار مبكرة لعدم قدرة النموذج الاقتصادي على الاستمرار. أمّا بلوغ هذا العجز أرقامه القياسية مؤخّراً، فيعني الاقتراب من أشدّ مراحل الأزمة. وهذا ما بدأنا نرى آثاره في مستوى احتياطي العملات الصعبة لدى مصرف لبنان.