«الدَّيْن العام هو المُتغيِّر الخاص بالدولة الذي يعطي الحكومة الحالية وسيلة للسيطرة على الحكومة المقبلة»

تورستن برسون - لارس إي. أو. سفنسون


يوم الخميس الماضي، وافق مجلس الوزراء كالعادة، ومن دون أي نقاش أو شروط أو حتّى توضيح أو مجرّد سؤال، على طلب وزير المال إصدار سندات دَيْن بالعملات الأجنبية (يوروبوندز) في عام 2019 الجاري، بقيمة إجمالية تبلغ 4.514 مليار دولار.
في الوقت نفسه، يدرس مجلس النواب في جلسته بعد غد اقتراح قانون «مُعجَّل مُكرَّر» يجيز للحكومة إصدار سندات دَيْن بالعملات الأجنبية بقيمة 4.800 مليار دولار للغاية نفسها، أي بهدف إعادة تمويل استحقاقات الدَّين الخارجي وتحويل جزء من الدَّين القائم بالليرة إلى دَيْن بالدولار وتمويل حاجات الخزينة بالعملات الأجنبية.
ووفقاً للإحصاءات الدورية التي تنشرها جمعية مصارف لبنان، فإن هناك 3 استحقاقات مُرتقبة هذا العام من «اليوروبوندز»، بقيمة إجمالية تبلغ 2.650 مليار دولار، وهي مُوزّعة على الأشهر المقبلة التالية:
500 مليون دولار في نيسان/ أبريل.
650 مليون دولار في أيار/ مايو.
1500 مليون دولار في تشرين الثاني/ نوفمبر.
في الشكل، توجد ملاحظة جوهرية تختصر جانباً مهمّاً من سياسة «الفوضى المقصودة» التي لا تزال تحكم إدارة المال العام منذ مطلع التسعينيات حتّى اليوم، ولا سيّما على صعيد إدارة الدَّين. فالمصادر الثلاثة المعنيّة تُقدّم 3 أرقام مُختلفة عن الأمر نفسه في الوقت نفسه. إذ إن استحقاقات سندات الدَّيْن بالعملات الأجنبية القائمة بالفعل، والتي تحتاج إلى إعادة تمويل (عمليات سواب) في إطار السياسة المُعتمدة، لا تتجاوز قيمتها مليارين و650 مليون دولار، في حين طلب وزير المال من مجلس الوزراء تفويضه بإصدار سندات بقيمة 4 مليارات و514 مليون دولار، أي أكثر بنحو مليار و864 مليون دولار من الاستحقاقات الفعلية، ولكن مجلس النواب يرى أن وزير المال يستحقّ تفويضاً بقيمة أعلى ممّا يطلبه، «فالنواب كرماء وهو بيستاهل»، ولا ضير برأيهم من الإجازة للحكومة بإصدار سندات بقيمة 4 مليارات و800 مليون دولار، مع حبّة مسك. أي إن الإجازة التي يتّجه مجلس النواب لمنحها للحكومة تفوق الاستحقاقات القائمة بالفعل بمبلغ مليارين و150 مليون دولار، وتفوق ما طلبه وزير المال بمبلغ 286 مليون دولار.


هذا التباين الفاقع في الأرقام المعروضة للغرض نفسه، يؤكّد ما يعرفه الجميع عن عدم وضوح الحسابات المالية للدولة، وهو ما تؤكّده أيضاً نتائج العملية المُضنية التي قامت بها المديرية العامّة للماليّة العامّة لإعادة تكوين هذه الحسابات من عام 1993 حتّى عام 2017، في محاولة جديدة لإعادة الانتظام إلى المالية العامّة وإنهاء المرحلة السوداء التي امتدت على ربع قرن، والتي جرى فيها تسييب المال العام عن سابق تصوّر وتصميم، ووضعه في خدمة المصالح السياسية للقوى المُهيمنة على الدولة وتحويله إلى مصدر رئيس للإثراء غير المشروع والإثراء «المقونن» أو الإثراء بذريعة خدمة الدَّين وفوائده السخيّة.
ويدلّ هذا التباين أيضاً إلى أن القوى السياسية نفسها، التي فازت مجدّداً في الانتخابات النيابية الأخيرة، ليست صادقة في إعلان نواياها بمكافحة الفساد المُستشري والإصلاح وضبط المالية العامّة واعتماد سياسات مختلفة عن الماضي. فما فعله مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة لجهة تفويض وزير المال بإصدار المزيد من سندات الدَّيْن بالعملات الأجنبية، وما سيفعله مجلس النواب في جلسته التشريعية المُقبلة لجهة الإجازة للحكومة بإصدار هذه السندات بقيمة أعلى ممّا تطلب، لا يختلف أبداً عمّا فعلته الحكومات السابقة والمجالس النيابية المُنتخبة منذ أن بدأت عملية تحويل جزء مهمّ من الدَّيْن العام إلى دَيْن خارجي عام 1994، واستفحلت هذه العملية على مرّ السنوات، وأوقعت الدولة (الحكومة ومصرف لبنان) تحت عبء ضخم ومرهق جدّاً لتأمين كمّية هائلة من الدولارات سنوياً لتسديد استحقاقات هذا الدَّيْن وفوائده.
تفيد الحسابات الخاصّة أن استحقاقات سندات الخزينة (بالليرة وبالعملات الأجنبية) تبلغ هذا العام نحو 15 مليار و645 مليون دولار، منها 4 مليارات و700 مليون دولار بالعملات الأجنبية، موزّعة بين مليارين و650 مليون دولار لتسديد أصل سندات «اليوربوندز» ومليارين و50 مليون دولار لتسديد الفوائد المُستحقّة على هذه السندات. وهذا يشمل حسابات الحكومة فقط من دون مصرف لبنان، الذي يتوجّب عليه خدمة ديونه بالعملات الأجنبية لصالح المصارف هذا العام بما لا يقلّ عن 4 مليارات دولار أيضاً.
وفي نظرة أشمل وأوسع، رتّبت الحكومات السابقة استحقاقات مقبلة على مديونيتها القائمة في نهاية عام 2018، تقدّر بنحو 112 مليار و793 مليون دولار (هناك تقديرات جدّية ترفع قيمة هذه الاستحقاقات إلى 120 مليار دولار)، منها نحو 47 مليار و424 مليون دولار بالعملات الأجنبية، وهي موزّعة من الآن حتى عام 2037. أي إن الحكومات منذ عام 1994 حتى الحكومة الحالية رتّبت ديوناً خارجية بالإضافة إلى الديون الداخلية على المجتمع والاقتصاد، وسيطرت على الحكومات المقبلة، أقلّه لمدّة 18 عاماً مُقبلاً.
لقد كان طمس حسابات الدولة أداة رئيسة من أدوات السيطرة على المال العام ومراكمة الأكلاف على الجيل الحالي والأجيال المُقبلة، وهذه السياسة لا تزال قائمة وبنجاح كبير، وتكفي الإشارة أن أحداً في مجلس الوزراء لم يناقش طلب وزير المال إلّا وزير الاقتصاد والتجارة، الذي اكتفى بمطالبة مجلس الوزراء بالتريّث ريثما يقدّم وزير المال تقريراً مُفصّلاً يوضح الأرقام والأسباب الموجبة لطلب الإجازة بإصدار سندات الدَّيْن بالقيمة المطلوبة، ويعرض على مجلس الوزراء سياسته الجديدة لإدارة الدَّيْن العام كي تجري مناقشتها وفقاً للأصول. إلّا أن وزير المال لم يجد نفسه مُضطراً للردّ إلّا بعبارات موجزة تختصر المسألة كلّها: هذا ما عندي، وليُقرّر مجلس الوزراء ما يشاء. أمّا تقديم تقرير مُفصّل لإظهار الأرقام الحقيقية والسياسة الحقيقية، فهل تريدون أن يتسرّب مضمونه إلى الإعلام؟ طبعاً، كان جواب مجلس الوزراء واضحاً، فهو لا يريد ذلك، وأقرّ التفويض بلا قيد أو شرط.