يمثّل العجز المُزمن في الميزان التجاري السمة الأبرز للنموذج الاقتصادي اللبناني القائم، ولا سيما في المرحلة التي أعقبت نهاية الحرب الأهلية (1975-1990). ووفق الإحصاءات المُتاحة استورد لبنان سلعاً من الخارج بقيمة تتجاوز 322 مليار دولار بين 1993 وأيلول/ سبتمبر 2018، ولكنه لم يصدّر سلعاً إلّا بقيمة 56 مليار دولار، أي أن العجز في تجارة السلع مع الخارج بلغ أكثر من 266 مليار دولار في أقل من 26 عاماً، فكان لبنان بحاجة للحصول إلى ما لا يقلّ عن 861 مليون دولار بالعملات الصعبة في كل شهر (كمعدّل وسطي) لتمويل عجزه التجاري على مدى هذه الفترة الطويلة نسبياً. وسجّل الميزان التجاري المزيد من التدهور منذ اندلاع الصراع في سوريا وإقفال معابر التصدير البرّية كلّها. ووفق الحسابات القومية الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي، بلغت قيمة استيراد السلع بين عامي 2011 و2017 نحو 134.7 مليار دولار، في مقابل صادرات بقيمة 32.9 مليار دولار، أي أن العجز التجاري بلغ 101.8 مليار دولار، أي ما متوسّطه 14.5 مليار دولار سنوياً، أو 1.2 مليار دولار شهرياً. وتفيد الإحصاءات الصادرة عن المركز الآلي الجمركي أن العجز التجاري في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي بلغ نحو 13 مليار دولار، أي بمعدّل 1.4 مليار دولار كل شهر، وهذا ما ساهم في زيادة الضغوط على سعر صرف الليرة، في ظل تراجع التحويلات والاستثمارات وتدفّقات الودائع من الخارج، وأدّى إلى تسجيل ميزان المدفوعات أكبر عجز سنوي في تاريخ لبنان منذ الاستقلال، بلغ في اعتراف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة نحو 4.3 مليار دولار في عام 2018.


لم تعد صادرات السلع الزراعية والصناعية اللبنانية إلى الخارج تغطّي سوى 15% من قيمة المستوردات، وهي الآن عند أدنى مستوياتها بالمقارنة مع جميع المراحل التاريخية السابقة. ففي مرحلة ما قبل الحرب وصلت نسبة تغطية الصادرات السلعية للمستوردات إلى 72% في عام 1973. وفي مرحلة الحرب تراوحت بين 20% و31%، على الرغم من الدمار الذي أصاب البنى الإنتاجية. كذلك، انخفضت قيمة الصادرات كنسبة من الناتج المحلّي الإجمالي إلى 8% فقط في عام 2017، في حين شكّلت مستوردات السلع نحو 37% من الناتج.
يعكس العجز في ميزان التجارة الخارجية جانباً مهمّاً من الأزمة البنيوية للاقتصاد اللبناني. إذ يُهيمن قطاع الخدمات على النشاط الاقتصادي، وتبلغ حصّة الخدمات العقارية والبناء والمقاولات والأنشطة المرتبطة بهما نحو ربع الناتج المحلّي الإجمالي، في حين لا تبلغ حصّة الأنشطة المرتبطة بالسلع القابلة للتصدير سوى 11% من الناتج المحلّي، 9% للصناعة و3% للزراعة والثروة الحيوانية والطبيعية. وتُعتبر أنشطة الخدمات في لبنان ذات قيمة مضافة منخفضة ولا تولّد فرص توظيف لذوي المهارات العالية.
يسيطر النمط الريعي على معظم أنشطة الخدمات، لذلك تعجز تجارة الخدمات عن ردم فجوة ميزان التجارة السلعية. ووفق الحسابات القومية، وصل العجز في تجارة السلع والخدمات معاً إلى 25% من الناتج المحلّي الإجمالي في عام 2017، إذ بلغت قيمة الخدمات المصدّرة وحدها من دون السلع نحو 8.7 مليار دولار في مقابل خدمات مستوردة بقيمة 6.4 مليار دولار، أي أن لبنان حقّق فائضاً في تجارة الخدمات بقيمة 2.3 مليار دولار. وتعدّ السياحة وأعمال الوساطة المختلفة من أبرز الخدمات المتبادلة بين لبنان والخارج.
يشير البنك الدولي في تقريره الأخير عن لبنان (المرصد الاقتصادي - تقليص مخاطر لبنان) إلى أن انخفاض حصّة صادرات السلع والخدمات من الناتج المحلّي الإجمالي بدأ منذ عام 2008، إذ تراجعت هذه الحصّة من نحو 78.1% من الناتج إلى 36% من الناتج المحلّي الإجمالي في عام 2017، وسجّلت المستوى الأدنى لها منذ عام 2002، وقد تقاسمت البضائع التجارية والخدمات معاً هذه الديناميكية. ويعتبر التقرير أن صادرات البضائع التجارية تضرّرت على وجه التحديد بسبب إغلاق آخر ممرّ عبر سوريا في أيار/ مايو 2015، الذي كان المصدّرون يتمكّنون من خلاله من الوصول إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي والعراق. وتراجعت صادرات الخدمات بالتساوي منذ عام 2010، بسبب انخفاض خدمات السفر والخدمات المالية، إذ عكست الأولى انكماشاً في قطاع السياحة، والثانية تراجعاً في استراتيجية المصارف للتوسّع الإقليمي. وشهدت واردات السلع والخدمات تحوّلاً دراماتيكياً مماثلاً، فانخفضت من نسبة عالية بلغت 102% من الناتج المحلّي الإجمالي عام 2008 إلى مستوى منخفض بلغ 60% عام 2017. وفي حين فرضت تحوّلات الصادرات والواردات آثاراً تعويضية على الميزان التجاري، تمثّل الأثر الإجمالي للاضطراب الإقليمي في تدهور واضح في هذا التوازن، وبلغ متوسّط العجز التجاري في فترة الأزمة (2011 – 2017) 24.3% من الناتج المحلّي الإجمالي، مقارنة بمتوسّط ما قبل الأزمة (2002 – 2010) البالغ 20%.